* أوجب الله سبحانه في هذه الآية للمرأة إذا طُلِّقت بعد الفرض، وقبلَ المَسيس نصفَ المفروض.
واختلفَ القائلون بوجوبِ المُتعة هلْ تجبُ لها المتعةُ مع نصفِ المفروض؟
-قال ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ - رضي الله تعالى عنهم -: لها نصفُ صَداقِها، ليس لها أكثرُ من ذلك.
وبه قال الشافعيُّ - رضي الله تعالى عنه - .
-وقال بعضُ أهل الظاهر: لها المتعةُ؛ لعموم قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] ، وتخصيصُ بعضِ أفراد العموم بالذكرِ لتعليقِ حكمٍ آخرَ لا يكون تخصيصاً لعمومه، بل يجب لها نصفُ المفروضِ بهذه الآية، والمتعةُ بالآية الأُخرى.
ولمخالفه أن يقول: ليس هذا تخصيصاً لبعض أفراد العموم [بالذكر مع السكوت عن باقيه، بل هو تخصيص لبعض أفراد العموم] بوجوبِ نصفِ المفروض.
والمُفَوِّضَةُ التي لم يُفْرَضَ لها مخصوصةٌ بذكرِ وجوبِ المُتْعَةِ، وتَخَصصهما بحكمينِ مختلفين يدلُّ على تغايُرِهما.
وتخصيصُ العموم بمن خالفه منهما.
ومما يدل لبعض أهل الظاهر قولُه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] ، فذكر لهن المتعة في هذه الآية.
إلا أن يصحَّ ما رُوي عن ابن المسيّبِ بتوقيفٍ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك أنه روي عنه: أنه قال: كانَتِ المتعةُ لمنْ لم يُدخَلْ بها من النساء؛ لقوله تعالى في سورة الأحزاب: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] ، فنسخ ذلك بقوله تعالى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] ، فيبطل هذا الدليل.
وبعيد أن يثبتَ مثلُ هذا النسخِ بتوقيفٍ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فإن قلتم: فما الجوابُ عن آيةِ الأحزاب؟
قلنا: لا تَعارضَ بينها وبين آية البقرة؛ فإن آية الأحزاب عامة، والمرادُ
بها المُفَوِّضَةُ؛ إذا طُلِّقَتْ قبلَ الفَرْضِ والمَسيس؛ بدليلِ البيانِ والتقييدِ في آية البقرة، والمرادُ بآية البقرة مَنْ سُمِّي لها مَهرٌ أو فَرْضٌ.