قلنا: ذهب مالكٌ، والزهريُّ، والأوزاعيُّ إلى إلحاق الوفاة بالطلاق، فأوجبا لها الميراثَ دون الصَّداقِ.
واستدلوا بما رواه نافعٌ: أن ابنةَ عبيد الله بن عمر، وأمُّها ابنةُ زيدِ بنِ الخطاب، كانت تحت ابنٍ لعبدِ الله بن عمر، ومات ولم يدخل بها، ولم يسمِّ لها صداقاً، فبعثت إليه أمُّها تطلب صَداقَها، فقال ابنُ عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نَمنَعكُموهُ، ولم نَظلمها، فأبتْ أن تقبلَ، فجعل بينهمْ زيدَ بنَ ثابت، فقضى ألاَّ صداق لها، ولها الميراثُ.
وبما روي عن عليٍّ - رضي الله تعالى عنه - من نحو ذلك.
وذهب أبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ إلى إيجاب الصداق، وهو المختار عندي من قولي الشافعي.
لما روي أن عبدَ الله بنَ مسعودٍ - رضي الله تعالى عنه - سئل عن رجل تزوجَ امرأة، فمات عنها، ولم يكنْ فرضَ لها شيئاً، ولم يدخل بها، فقال:
أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمني، أرى لها صداقَ امرأة من نسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ، ولها الميراثُ، وقال مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ -: أشهدُ لقد قضيتَ فيها بقضاءِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بَرْوَعَ بنتِ واشِقٍ، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وصححه.
قال الشافعي في حديث بَرْوَعَ: فإن ثبتَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهو أولى الأمور بنا، ولا حجَّةَ في قولِ أحدٍ دون النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كَثُروا، ولا قياسَ، ولا شيءَ في قوله إلاّ طاعةُ الله بالتسليم له.
* ثم أمرنا الله سبحانه بإمتاعهنَّ، على المُوسِعِ قَدَرُهُ، وعلى المُقْتِر قَدَرُ.
وقد اتفق أهل العلم على تشريع المتعة، ولكن اختلفوا هل الأمر على الفرض، أو على الاستحباب؟
-فقال أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم بوجوبها؛ لأمر الله سبحانه بها لهن هُنا، وفي سورة الأحزاب، ولقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] ، فجعل ذلك ملكاً للمطلقات بلام التمليك، وسمَّاه حقاً، والحَقُّ الواجِبُ.
وبه قال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما.
-وقال قوم: إنها مستحبةٌ، وليستْ بواجبةٍ، وبه قال مالك وشُرَيْح القاضي، قالوا: ولو كانت واجبةً، لم يخصَّ الله سبحانه المحسنين والمتقين دونَ غيرهم، ولكان يقول: حقاً عليكم، وكان شُرَيْحٌ يقول: مَتع إن كنت من المحسنين، ألا تحبُّ أن تكونَ من المتقين؟