قلت: دلَّني في المبتوتة ما رويناه في"الصحيحين": أن فاطمةَ بنتَ قيسٍ طلقها زوجُها عمرُ بنُ حفصٍ البْتَّةَ، وهو غائبٌ، فأرسلَ إليها وكيلُه بشعيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فقال: واللهِ مالكِ علينا من شيء، فجاءت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكرت ذلك له، فقال:"ليسَ لكِ عليهِ نفقة"، فأمرها أن تعتدَّ في بيتِ أم شريكٍ، ثم قال:"تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكْتومٍ، فإنه رجلٌ أعمى، تضعينَ ثيابَكِ عنده، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني"، قالت: فلما حللتُ، ذكرتُ له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جَهْمٍ، خَطَباني، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"أما أبو جَهْمٍ، فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِه، وأما معاويةُ فصُعْلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحي أسامةَ بنَ زيدٍ"، فكرهته، ثم قال:"انْكِحي أُسامَةَ"، فنكحتُه، فجعل الله فيه خيرًا، فاغتبطتُ.
* وأما البائنُ فالقياسُ على المَبْتوتَةِ، لانقطاع عصمة النكاح منها.
وبهذا قال الشافعيُّ في أَصَحِّ قَوْلَيهِ.
* والتعريضُ: أن يقول: رُبَّ راغب فيكِ، وإذا حَلَلْتِ فآذِنيني، وما أشبهه.
* ونهى عن مواعدتهنَّ سِرًّا.
وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في تفسيره؛ لتعارض المفاهيم:
-فقال بعضهم: هو التصريحُ بالخِطبة، والمواعدةُ على النكاح بأخذِه ميثاقَها في خُفْيَةٍ على أن تنكحَه، ولا تنكِحَ غيره، فلا يصرح بخطبتها؛ لأن الله سبحانه أحلَّ التعريضَ، ورفعَ الجُناح فيه، فدلَّنا على أن التصريح غيرُ جائز.
ولكن هذا المفهومَ يعارضه مفهومُ قوله: {سِرًّا} فإنه يقتضي جوازَ المواعدةِ جَهْرًا، وبهذا فسره داود، فحرَّمَ الخِطبة سرًّا، وأباحها علانيةً.
-وفسره الحسنُ، وقتادةُ، والضحاك، والربيعُ والنخعيُّ، بالزنى، وربما أعطاه كلام الشافعي.
-وذكر بعضُهم أن الشافعيَّ فسره بالجِماع مثل أن يصف نفسه به، فيقولَ: عندي جماعٌ يصلح لمَنْ جومِعَتْ، وأنشد فيه قولَ امْرِئ القيسِ: [البحر الطويل]
لَقَدْ زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَومَ أَنَّني ... كبِرْتُ وأَنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أَمثْالي
وكأنه أراد ذكره مع التصريح بالخِطبة، وأما مجردُ ذكرِه، فليس بحرامٍ، ولا مُواعَدَة.