وقد تمسك بهذا من يقول باستقلالها بعَقْد النكاح على نفسها، إلا أن تفعلَ بغير المعروف من تزوجِ غير الأَكْفاء، وقد تقدمَ الكلامُ في ذلك.
ومفهومُ هذا الخطاب يقتضي أن على المرأة الجُناح إذا فعلتْ في نفسها
قبلَ بلوغِ الأجلِ، ولا شك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظٍ أوضحَ من هذا فقال {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] .
* وفي الآية دليل على إبطال قول شريك في أن للزوجِ الرجعةَ على زوجته ما لم تغتسلْ، وعلى إبطال قول إسحاقَ في أن المرأةَ المعتدَّةَ بالأقراء لا يحلُّ لها أن تتزوج حتَّى تغتسلَ من حَيْضتِها؛ لأن الله سبحانه ضربَ الأَجَلَيْنِ أمدًا للعِدّتين، فلا فرق بين المعتدَّتينِ.
ولستُ أعلمُ لقول إسحاقَ وجهًا إلا ما يروى أنَّه مذهبُ ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - .
"ثم بَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صفةَ التَّربُّصِ، فنهى المعتدةَ عن مسِّ الطِّيبِ، وعن الكُحْل، وعن لبسِ المصبوغ، إلا ثوبَ عَصْبٍ."
وسيأتي تمامُ أحكام عدة المعتدةِ في الآيةِ المنسوخةِ قريبًا - إن شاء الله تعالى - .
(التعريض بخطبة المعتدَّة)
43 - (43) قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235] .
* عفا اللهُ - سبحانه وتعالى - في هذه الآية عَمَّا يكتمه الرجل ويُكِنُّه في نفسه من نكاح المعتدَّةِ، وأحلَّ التعريضَ بخِطبة النساء في حالِ العدَّةِ، وذلك عامٌّ فيهن، ما خلا الرجعيةَ؛ فإنه لا يجوز التعريضُ بخطبتِها؛ لأنها في معنى الزوجة.
فإن قلتم: فما دَلَّكَ على ذلك؟ ولعل الخطابَ خاصٌّ بالمتوفَّى عنهن؛ كما قاله الشافعي؛ حيث قال: العدةُ التي أذن الله سبحانه بالتعريض بالخطبة فيها العدةُ من وفاة الزوج، فلا أحب ذلك في العدَّة من
الطلاق، احتياطًا. ولعله استأنسَ بتعقيب ذكر الخِطْبة بعد ذكر عدتهنَّ.