قال النحاس: والذي يشبه أن يكون الناسخُ لهذا عنده - والله أعلم - أنَّه لما أوجب الله تعالى للمتوفَّى عنها زوجُها من مال المتوفَّى نفقةَ حولٍ والسُّكنى، ثم نسخ ذلك، ورفعه، فنسخ ذلك أيضًا عن الوارث.
وهذا قولٌ باطل وتأويلٌ فاسد؛ فإن النسخَ لا يكونُ إلا بالتوقيف، ولا يجوز بالتأويل والقياس على منسوخ آخر، وليته إذا لم يعلم سكتَ عمَّا لم يعلمْ؛ إذ السكوتُ بمن لم يعلمْ أوجبُ وأسلمُ.
-وقال قوم: المعنيُّ بالإشارة تركُ المضارَّة.
قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} : [البقرة: 233] على الوارثِ ألا يضارَّ والدةً بولدها.
وبه قال الشافعي، وكذا مالكٌ في روايةِ ابنِ وَهْب وأَشْهَبَ عنه.
وهذا التأويلُ أرجحُ؛ لكون ابن عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - أعلمَ بالقرآنِ وتأويلِه، ولكونِ الأمِّ وارِثَه، ولا يجبُ لها على نفسها شيءٌ من النفقةِ والكِسْوَةِ في مقابلة رَضاعِهِ، ولأن وجوبَ النفقة والكِسوةِ خاصٌّ بالزوج الَّذي هو أبو المولود، والوارثُ لا يجبُ عليه نفقةٌ ولا كِسوةٌ، وإنما يجب عليه الأجرةُ، وهي لا تقدَّرُ بالنفقة والكِسوة.
-وذهب قومٌ إلى التأويل:
فقالَ بعضُهم: الوارثُ هو الطفلُ، عليه نفقتهُ ونفقةُ الوالِدَيْنِ الفقيرينِ، واختار هذا محمدُ بن جَريرٍ الطَّبَرِيُّ.
وقال بعضهم: هو وارثُ الوِلايةِ على الطفلِ، تكون نفقةُ الوالدةِ من ما المولود.
وهذان التأويلان ضعيفان.
الجملة السادسة: قوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233] .
* أباح الله سبحانه للوالدين فِصالَ المولود قبل الحَوْلين، إذا أطاقَ، بعدَ التشاور من الوالدين، والتراضي منهما.
ومفهوم هذا الخطاب يقتضي أن الوالدة، إذا فصلَتْ ولدَها من غير
مَشُورة على الأبِ أنَّه لا يجوزُ، وهو كذلك، والله أعلم.
الجملة السابعة: قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] .
* أباح الله سبحانه للآباء أن يسترضعوا أولادهم، ولم يجعل ذلك من المضارَّةِ للوالدة، وهو كذلك في المزوَّجةِ؛ لأنها مستحقة المنفعةِ للزوج، والرضاعُ يقطع على الزوج منفعتَه، فله أن يجمع بين مصلحته ومصلحة ولده بما لا ضررَ فيه على الوالدة.