وللشافعي أن يقول: إنما ضربه الله مثلَا يهتدى به في تقدير الأجرة كما قَدَّمْتُه، وإنما ذكرَ اللهُ - سبحانَهُ - النفقةَ؛ لأنَّ المرضعةَ تتغذَّى بالنفقة، والمولودُ يتغذى بِلِبانِها، فبتمامِ بِنْيَتهِا تتمُّ بِنيةُ المولود، وبصلاحِ جسدهِا
يصلُح جسدُه، والكِسوة من تمامِ صلاح الجسد، وتوابعِ النفقة، فجُحل قدرًا للاعتبار به.
* وكما أوجبَ اللهُ سبحانه نفقةَ المولودين على الوالدين، أقاس أهل العلم وجوب نفقة الوالدين على المولودِين إذا احتاجوا وعجزوا عن الاستقلال بأنفسهم، وعلى هذا حصلَ الإجماعُ، والله أعلم
الجملة الرابعة: قوله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233] .
* نهى الله سبحانه الوالدِينَ عن المُضارَّةَ لبعِضهم بعضًا بالمَوْلودِ، فلا يجوزُ للوالدة أن تمتنعَ من رَضاعِه إذا لم يوجد غيرُها، أولم يَقبل إلا ثديَها، ولا يجوز للوالد أن ينزعَهُ عنها إلى مرضعةٍ غيرِها، ولا يسافرَ به عِنادًا، فهما فيه على السواء، ولهذا خَيَّرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - غلامًا اختصم فيه أبوه وأمُّه، فقال:"هذا أبوكَ، وهذِه أمُّكَ، فاخْتَرْ أَيَّهُما شِئْتَ".
الجملة الخامسة: قولهُ عَزَّ وجلَّ: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] * هذه الجملة مُشْكِلَةٌ من وَجْهين، وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في المَعْنِيِّ بالإشارة، وفي المعنيِّ بالوارث.
فقال قوم: المعنيُّ بالوارث كلُّ من يرثُ المولودَ، والمعنيُّ بالإشارة ما وجب على المولود له من النفقة.
ويروى عن إبراهيمَ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وأحمدَ، وإسحاقَ. وروي عن مالكٍ، وسُفيَانَ، وأهلِ العراق أيضًا.
ثم اختلفوا: فقالَ قتادةُ: هو وارثُ الصبيِّ، رجلًا كان أو امرأةً، ويلزمهم على قدر مواريثهم، وبه قال أحمدُ وإسحاقُ.
وقال غيرُه: يختص بالوارث من الرجال، واستدلوا بأن عمر - رضي الله عنه - أجبر عَصَبَةَ صَبِيٍّ أن ينفقوا عليه، الرجالَ دونَ النساء.
ولكن الحنفية خَصُّوا الوجوبَ بكل ذي رَحِمٍ محرمٍ، وإن لم يرثْ، ويلزمُ منه أنَّ من ليس له ذو رَحِمٍ محرمٍ يتركُه ضائعًا، وإن كان له عَصَبَة وَرَثةٌ، ولا يجب عليهم شيء، فهم لم يوافقوا ظاهر القرآن، ولا ما فعل عمرُ - رضي الله عنه.
وقال مالكٌ في روايةِ ابن القاسم: إنها منسوخة.