* وقد جعل الله - سبحانه - عَدَدَ الطلاق ثلاثاً، وأجمع عليه المسلمون في حق الأحرار.
وأما العبيدُ:
-فذهب أبو محمدِ بنُ حَزْمٍ وجماعةٌ من أهلِ الظاهرِ إلى أنهم كالأحرار وتمسكوا بالعموم؛ كما تمسَّكوا بالعموم في إلحاق عِدَّةِ الإماءِ بعدة الحرائر.
-وذهب جمهورُ أهل العلم إلى أن للرقِّ تأثيراً في نُقْصان العدد في الطلاق.
* ثم اختلفوا في تعيينه.
فاعتبره قومٌ بالرجال دون النساء، فإن كان الزوجُ رقيقاً ملكَ طَلْقتين، سواء كانتِ الزوجةُ حُرَّةً أو أَمَةً، وإن كان حُرًّا، ملكَ ثلاثا، ولو كانت الزوجة أَمَةً.
وبه قال عثمانُ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عباسٍ. وإليه ذهبَ مالك والشافعيُّ - رضي الله تعالى عنهم - .
-واعتبره قومٌ بالنساء، وبه قال عليٌّ وابنُ مسعودٍ، وإليه ذهبَ أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - .
-واعتبره قومٌ بأيِّ الجانبين كان، وبه قال عثمانُ البَتِّيُّ، ويروى عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - .
ومستندهم القياسُ على نقصان حَدِّ الأمة عن الحُرَّةِ.
ويظهر لي قوةُ مذهبِ المُلْحِقين؛ لأن الحكمةَ التي شرعَ لها هذا العددُ موجودةٌ في نفوس العبيد؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يُضيِّقْ على الرجال بتحديد طَلْقتين خشيةَ المشقةِ عندَ الندم، ولم يسمح لهم بأكثرَ من ذلك خشيةَ المشقةِ على النساء بالتضرُّر.
وأما استدلالُ الجمهورِ، ففيه ضعفٌ؛ لأن القياس لا يُخَصِّصُ العمومَ
على قولِ جماعةٍ من أهلِ العلمِ بشرائِط الاستدلال.
وإن سلموا، فهذا القياسُ ضعيفٌ؛ لاعتبار ما بُني على التغليظ في حقِّ العبيدِ، وهو تقليل عَدَدِ الطلاق بما بُني على التخفيفِ في حقِّهَم وحقِّ غيرهم من الأحرار.
وكان الأولى أن يقال: هذا الزوجُ رقيقٌ، ولم يضيقِ الشرعُ عليه في عَدَدِ الحَدِّ، فلِمَ يُضَيَّقُ عليه في عدد الطلاق.
نعم، قد يقال: في الرجعة ملكٌ وسلطانٌ على الزوجة، والعبيدُ لا سلطانَ لهم ولا ملك، فمن لُطْفِ الشارع بهم أنْ جعلَ لهم سلطانًا أضعفَ من سلطانِ الأحرار وأَنْقَصَ، فجاز لنا حينئذ أن نعتبر النقصانَ بالنقصان، فالاعتبارُ في مقدارِه لا في أصله، ولولا هذا لما اخترتُ مذهبَ الجمهورِ، والله أعلم.