فقال الشعبيُّ والنَّخَعِيُّ والأَوزاعِيُّ والحسنُ البصريُّ وعَلْقَمَةُ والأسودُ: هو ركنٌ من أركانِ الحجِّ، لا يصحُّ الحجُّ إلَّا به؛ كالوقوفِ بعرفةَ، واختارَهُ أبو عبدِ الرحمن ابن بنتِ الشافعيِّ، وأبو بكر بنُ خزيمةَ من الشافعية.
-وقال أكثرُ أهلِ العلم: ليسَ بركْنٍ في الحجِّ.
* ثم اختلفوا هل هو واجب يجب بتركه الدمُ، أو سُنَّةٌ لا يجبُ فيه الدمُ؟
-فقال أصحابُ الحديثِ وأهلُ الكوفة: هو واجب، وفيه دم، وهو الصحيحُ من قولِ الشافعيِّ.
-وقالت طائفة: هو سنة، وهو قولٌ للشافعيِّ أيضاً.
-وحكي عن بعض السَّلَف أن المبيتَ ليس بِنُسُكٍ، وإنما هو مَنْزِلٌ، إن
شاءَ نزلَهُ، وإن شاءَ تركَه. وهذا ضعيفٌ جداً، بل غلط ظاهرٌ؛ لمخالفةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
والقولُ الأولُ عندي أقوى دليلاً؛ لموافقتِه القرآنَ، ولحديثِ عروةَ بنِ مضرّسٍ - رضي الله تعالى عنه - .
وقد أجيب عنه بأنه - صلى الله عليه وسلم - علَّقَ تمامَ الحَجّ:
1 -على الصَّلاةِ معه، وهي صلاةُ الصُّبْحِ.
2 -وعلى وقوفِ هذا الموقفِ حتى يُفيضَ، ولم يُفِضْ إلا بعدَ صلاةِ الصبح بزمنٍ.
3 -وعلى الإفاضة قبل ذلك من عرفاتٍ.
وقد أجمعَ العلماءُ على أن من وقفَ ولم يصلِّ الصُّبْح، إما لعصيانٍ، أو نوم، أو نسيانٍ، فحجُّه تامٌ.
وقد ثبَّتَ أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أرسلَ بعضَ أزواجه للإفاضَةِ بِلَيْلٍ، فدلَّ على أن التَّمامَ معلَّق على الإفاضة من عرفاتٍ.
وفي هذا الجوابِ نظرٌ؛ لأنَّ الأمرَ إذا عُلّقَ على أوصافٍ، وأمكنَ اعتبارُ
كلِّها، وجبَ اعتبارُها، ولا يخرجُ عن الاعتبارِ إلا ما أخرجَهُ الدليلُ.
1 -فأمّا التعليقُ بالصلاةِ مَعَهُ، فقد دلَّ الدليلُ على عدم اعتبارِها؛ لأن العباداتِ لا تفسدُ بالمعاصي، ولأنّ الوقوفَ بعرفة كافٍ مع النومِ والنسيانِ، وليس هذا الموقفُ بِآكَدَ من عرفةَ، وهذا لا يمنعُ الوقوفَ برفةَ، فكذلكَ بالمزدلفة.
2 -وأما التعليقُ بالإفاضة معهُ معَ عدمِ إفاضَتِه لبعضِ أزواجِه، فإنه يدلُّ على أن للإفاضةِ جوازاً وفضيلة، فعمل بالأفضل، وعَمِلَ بعض أزواجه بغير الأفضل.