قال الشافعيُّ: أخبرنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ قَيْسِ بنِ مَخْرَمَةَ، قالَ: خطبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ:"إن أهلَ الجاهليةِ كانوا يدفعون من عَرَفَةَ حين تكونُ الشمسُ كأنها عمائِمُ الرِّجالِ في وُجوههم، قبلَ أن تَغْرُبَ، ومنَ المُزْدَلِفَةِ بعدَ أن تطلُعَ الشمسُ حتى تكونَ كأنها عمائِمُ الرِّجالِ في وُجوههم، وإنّا لا نَدْفَعُ من عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ونَدْفَعُ منْ مزدلفةَ قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ. هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْيِ أهلِ الأوثانِ والشِّرْكِ".
وروى عروةُ بنُ مُضَرّسٍ حديثاً متَّفَقًا على صحته، قال: أتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِجَمْعٍ، فقلتُ له: هل لي من حَجٍّ؟ فقال:"مَنْ صَلَّى هذهِ الصَّلاةَ مَعَنا، ووقفَ هذا المَوْقِفَ حتى يُفيضَ، وأفاضَ قبلَ ذلكَ من عَرَفاتٍ ليلاً أو نَهاراً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضى تَفَثَهُ".
* إذا تقررَ هذا، فقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ في الصلاةِ بالمَشْعَرِ الحرامِ:
-فذهبَ أبو حنيفةَ وغيرُه من الكوفيينَ، وبعضُ الشافعيةِ إلى وجوبِ الصَّلاةِ به، وإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فعلَهُ نُسكاً، لا لأجل السفر، فيجبُ الجَمْعُ على الآفاقِيِّ والمَكِّيِّ، ولا يجمعُ بينَ الصلاتين إلا بالمُزْدَلِفَةِ.
-وذهب الشافعيُّ والأوزاعيُّ وأبو يوسفَ وأحمدُ وفقهاءُ أهلِ الحديثِ إلى استحبابِ الجمعِ بالمزدلفةِ، وأنه لا يجوزُ للمَكِّيِّ، ويجوزُ أن يصلي في غير المزدلفة، ورأوا أنَّ فعلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ لأجلِ السفر.
وقولُ أبي حنيفةَ أَشْبَهُ بالقرآنِ والسُّنَّةِ، وأَوفَقُ للنظرِ.
وذلكَ أنه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه جمعَ بينَ الصلاتينِ في سفره مثلما نُقِل هنا، إنما نُقِلَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا كان نازلاً، فَّقدمَ الثانيةَ إلى الأولى، وإذا كانَ سائراً أخَّرَ الأولى إلى الثانية، وهذا يدخلُه التأويل، وعلى تسليمه، فقد كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - نازلاً بعرفةَ في وقتِ المغرب.
-وقال مالك: لا يجوزُ أن يصلِّيَها قبل المزدلفة إلاّ مَنْ بهِ أو بِدائتِهِ
عذرٌ، فلهُ أن يصليَها قبلَ المزدلفةِ، بشرط كونهِ بعدَ مغيبِ الشفقِ.
* وكذلك اختلفوا في المبيتِ بمزدلفة: