فدمِ المتمتعِّ عند أبي حنيفةَ دَمُ شُكْرٍ للهِ تَعالى على الجَمْعِ بين العبادَتيْنِ في سَفرٍ واحدٍ، وعندَ مُخالفيهِ دَمُ جُبْرانٍ؛ لتركِ الإِحرام بالحَجِّ من الميقات.
المسألة الثانية: اختلفوا في {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} :
-فقال ابن عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: من كانَ بالحَرمِ خاصَّةً، لا غير.
وبه قالَ أهلُ الظاهر.
-وقال الثوريُّ: هم أهلُ مكةَ.
-وقال مالكٌ: أهلُ مكةَ ومنْ كانَ بذي طُوىً، وما كان مِثْلَ ذلكَ من مكَّةَ.
-وقال أبو حنيفةَ ومكحولٌ: منْ كانَ دارُه دونَ الميقاتِ.
-وقال الشافعيُّ: مَنْ كان بينَه وبينَ مكةَ مسافةٌ لا تُقصر فيها الصلاةُ، وذلك أنه معروفٌ في لسانِ العربِ أنَّ من قَرُبَ من الشئِ يُسَمَّى حاضراً له، يقال: فلانٌ بحَضْرَةِ الماءِ: إذا كانَ قريباً منه.
ولما كانَ القربُ مُطْلَقاً، احتاجَ الشافعيُّ إلى تقديره، فلم يجدْ دليلاً يدلُّ عليه إلا القياسَ على المسافةِ التي اعتبرَها الشرعُ، وهي المسافةُ التي تُقْصَرُ فيها الصلاةُ وتُجْمعُ.
وقولُ غيرِ الشافعيِّ أقربُ إلى حقيقةِ الحضور، لكنْ لمّا كان هذا
التخصيصُ عندهُ لأجلِ مجاورةِ البقْعَةِ الشريفةِ، عدلَ الشافعيُّ إلى المَجاز.
ويقوَّى ذلكَ عندَه بأنَّ أكثرَ المواقيتِ على مرحلتينِ من مَكَّةَ، فَدَلَّ على أن المرحلتينِ حَدٌّ بينَ القريبِ والبعيد، فهي غاية درجاتِ القريبِ، وأولُ درجاتِ البعيد.
ولفظُ الحضورِ يصلُح لكلٍّ مِنَ الأقوالِ، إلَّا قولَ أبي حنيفةَ؛ فإنَّ الحُضورَ لا يصلُحُ أن يُطْلَقَ على ميقات ذي الحُلَيْفَةِ؛ لبعدها؛ فإنَّ ذا الحليفة على تسعِ مراحلَ.
المسألة الثالثة: قد بينتُ في كتابي هذا أنَّ المسجدَ الحرامَ يقع على مكَّةَ، ويقعُ على الحَرَمِ.
واختلفتِ الشافعيَّةُ هنا في المراد به، بحسْبِ اخْتِلافهم في اعتبار المرحلتين: مِنَ الحرمِ، أم من مكةَ؟
والراجحُ عندي اعتبارُ الحضورِ من مكةَ؛ لقربِ الحُضور من الحقيقةِ، والله أعلم.