وعلى هذا اتفقَ أهلُ العلمِ، ولم يخالفْ في وجوبِ الهَدْيِ - فيما علمت - إلا مالكٌ؛ فإنه قال: لا يجبُ، وكان يقول: إن الهديَ في قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] هو بعينِه الذي في قوله سبحانه: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] . وفيه بُعْدٌ بالتأويل.
ويلزمه أن يمنع المتمتع من الحلق قبل الذبح، وهو لم يمنعه.
وأجاب موافقوه عن ذبح الهدي يوم الحُدَيبية بأنه ليسَ بهديِ تَحلُّلٍ، بل هو هدي سيق لله - تعالى - ابتداءً من غيرِ سبب.
* والمُسْتَيْسِرُ من الهَدْي إما بَدَنَةٌ، أو سُبْعُها، أو بقرةٌ أو سُبْعُها، أو شاةٌ.
قال جابرُ بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - أُحْصِرْنا مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية، فنحرنا البَدَنَةَ عن سبعة، والبقرةَ عن سبعةٍ.
وأمرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ أن يذبحَ شاةً، أو يطعم ستةَ مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام.
وكان ابنُ عمرَ وعائشةُ وابنُ الزبير يقولون: ما استيسر من الهَدْي: بعير أو بقرة، أي: بعير دون بعير، وبقرة دون بقرة، وأَبَوْا أن يقعَ اسمُ الهدي على الشاةِ.
هذا الحكمُ ورد في الحصر من الكفار، وكذا إذا صدر من المسلمين، والحكمُ واحدٌ لا افتراقَ بينهما؛ إذ العبرةُ بعمومِ الخِطاب لا بخصوصِ السبب، ويدلُّ عليه ما قدمته من فعلِ ابنِ عمرَ، ولا أعلمُ مخالفاً في ذلك، والله أعلم.
الجملة الثالثة: قوله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] .
* حرم الله - سبحانه - فيها على المحرم حلقَ شعرِ رأسِه تحريماً مطلقاً
حتى يبلغ الهديُ محلَّه، سواء كانَ محصَراً أو غير محصَر، واجداً للهدي أو عادماً له، ساقَ معه هديًا أو لم يَسُقْ. وهنا أربع مسائل:
الأولى: المحصر الواجد للهدي، فيذبحُ هديه، ثم يحلق رأسه.
وللشافعيِّ قولٌ أنه يجوز أن يحلق ثم يذبح، وكأنه قائم على تقديم الحلق على الذبح في يوم النحر.
والراجحُ عندي عدمُ الجواز؛ لظاهر القرآن، وإن كان الراجحُ عند متأخري أصحابه الجوازُ.