الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ معلقا [1] "
1149. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُسْلِفُ النَّاسَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، أَسْلِفْنِي سِتَّ مِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ: نَعَمْ، إِنْ أَتَيْتَنِي بِوَكِيلٍ، قَالَ: اللَّهُ وَكِيلِي، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، نَعَمْ، قَدْ قَبِلْتُ اللَّهَ وَكِيلًا، فَأَعْطَاهُ سِتَّ مِائَةِ دِينَارٍ، وَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا، فَرَكِبَ الْبَحْرَ بِالْمَالِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، وَقَدَّرَ اللَّهُ أَنْ حَلَّ الْأَجَلُ، وَارْتَجَّ الْبَحْرُ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ رَبُّ الْمَالِ يَاتِي السَّاحِلَ يَسْأَلُ عَنْهُ، فَيَقُولُ الَّذِي يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ: تَرَكْنَاهُ بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ رَبُّ الْمَالِ: اللَّهُمَّ اخْلُفْنِي فِي فُلَانٍ بِمَا أَعْطَيْتُهُ بِكَ، قَالَ: وَيَنْطَلِقُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ، فَيَنْحَتُ خَشَبَةً، وَيَجْعَلُ الْمَالَ فِي جَوْفِهَا، ثُمَّ كَتَبَ صَحِيفَةً مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ، إِنِّي دَفَعْتُ مَالَكَ إِلَى وَكِيلِي، ثُمَّ سَدَّ عَلَى فَمِ الْخَشَبَةِ، فَرَمَى بِهَا فِي عُرْضِ الْبَحْرِ، فَجَعَلَ يَهْوِي بِهَا حَتَّى رَمَى بِهَا إِلَى السَّاحِلِ، وَيَذْهَبُ رَبُّ الْمَالِ إِلَى السَّاحِلِ، فَيَسْأَلُ، فَيَجِدُ الْخَشَبَةَ، فَحَمَلَهَا، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى أَهْلِهِ، وَقَالَ: أَوْقِدُوا بِهَذِهِ، فَكَسَرُوهَا، فَانْتَثَرَتِ الدَّنَانِيرُ، وَالصَّحِيفَةُ، فَأَخَذَهَا، فَقَرَأَهَا، فَعَرَفَ، وَتَقَدَّمَ الْآخَرُ، فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ:
(1) شرح تهذيب صحيح البخاري (علي بن نايف الشحود(1 - 10) (3/ 240) 184. *- (بخاري تعليقا:(1498 و 2291 و 2734 و 6261)
ذكره البخاري معلقا في كل الأمكنة التي ورد بها في صحيحه (1498 و 2291 و 2734 و 6261) ووصله كثيرون الأسماء والصفات للبيهقي (1/ 126) (74) والدعاء للطبراني (ص: 261) (825 و 826) والسنن الكبرى للبيهقي (6/ 126) (11413) والسنن الكبرى للنسائي (5/ 354) (5800) وصحيح ابن حبان - مخرجا (14/ 408) (6487) وهو حديث صحيح انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/ 599)
[ش (يسلفه) يقرضه. (مركبا) سفينة يركب عليها. (نقرها) قورها وجوفها. (التمس) طلب. (للأجل) الزمن الذي حدده له للوفاء. (فنقرها) حفرها. (صحيفة) مكتوبا. (زجج) سوى موضع النقر وأصلحه من تزجيج الحواجب وهو حلق زوائد الشعر. (تسلفت فلانا) طلبت منه سلفا. (جهدت) بذلت وسعي. (ولجت) دخلت في البحر]
قال أبو عبد الملك: إنما أدخله البخاري هنا لبيان أن كل ما ألقاه البحر جاز التقاطه ولا خمس فيه، كالعنبر إذا لم يعلم أنه من مال المسلمين، وأما إذا علم أنه منها فلا يجوز أخذه وإن مات أهل المركب عطشًا، أو لعله كان كاللقطة؛ لأن الرجل إنما أخذ خشبة على الإباحة لتملكها فوجد فيها المال ولو وقع هذا اليوم لكان كاللقطة؛ لأنه معلوم أن الله تعالى لا يخلق الدنانير المضروبة في الخشب، ونحا نحو ذَلِكَ ابن المنير فقال: موضع الاستشهاد إنما هو أخذ الخشبة على أنها حطب فدل على إباحة مثل ذَلِكَ مما يلفظه البحر، أما ما ينشأ فيه كالعنبر أو مما سبق فيه ملك وعطب وانقطع ملك صاحبه منه على اختلاف بين العلماء في تمليك هذا مطلقًا أو مفصلًا، وإذا جاء تمليك الخشبة وقد تقدم عليها ملك فتمليك نحو العنبر الذي لم يتقدم عليه ملك أولى.
وهذا أخذه من قول المهلب، وفي أخذ الرجل الخشبة حطبًا دلالة على أن ما يوجد في البحر من متاع البحر وغيره أنه لا شيء فيه، وهو لمن وجده حتى يستحق ما ليس من متاع البحر من الأموال كالدنانير والثياب، وشبه ذَلِكَ، فإذا استحق رد إلى مستحقه وما ليس له طالب، ولم يكن له كبير قيمة، وحكم بغلبة الظن بانقطاعه كان لمن وجده ينتفع به ولا يلزمه فيه تعريف، إلا أن يوجد فيه دليل يستدل به على مالكه كاسم رجل معلوم أو علامة فيجتهد فيه الفقهاء في أمر التعريف.
وفيه أيضًا فوائد أخر منها: أن الله تعالى يجازي أهل الإرفاق بالمال يحفظه عليهم مع الأجر المدخر لهم في الآخرة كما حفظه على المسلف حين رده الله إليه، وهذان فضلان كبيران لأهل المواساة والثقة بالله والحرص على أداء الأمانة.
ومنها: جواز ركوب البحر بأموال الناس والتجارة فيه وغير ذَلِكَ. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/ 600)