التأليف بين تلك القلوب الشاردة المتعادية، ولكن الله جمع بين كلمتهم بقدرته، فأحدث بينهم التواد والتحاب ونزع التباغض والتماقت من بينهم. [1]
لا بالقوة وقهر القانون ولكن برضاء وطواعية داخلية، تلك هي الأخلاق الربانية التي يأتي بها الوحي ويغرسها الأنبياء بقدوتهم الأخلاقية ذاتها ويبرزوا دورها في توحيد الشعوب، والاتحاد قوة معنوية ومادية، والقوة الأخلاقية من أكبر الوسائل في تطوير الأمم وأشدها أثرا في بناء المجتمعات وقيام الحضارات وتماسكها، وكل الأبعاد الأخلاقية قوة فالصبر قوة وصفة للأبطال والرواد، والضعيف لايستطيع أن يتحمل ويجزع وينهزم أمام الأحداث، والشجاعة قوة لأن صاحبا يرفض الجبن والذل ويقاوم الظلم، والعدل قوة لأنه يمثل غلبة نوازع الحق الخير على نوازع الباطل والشر داخل الإنسان ذاته، والعفة قوة لأنها تقاوم الشهوات والأهواء والإغراءات، وهكذا تقاس كل الأبعاد الأخلاقية الحميدة التي نادى بها الإسلام على هذا القياس وتثبت أنها أبعاد بناء وصنع للتاريخ الحضاري.
ولابد أن تصدر أبعاد القيم الأخلاقية عن عقيدة صحيحة قائمة على أساس من الوحي، وإلا تحولت هذه القوة إلى طيش وتجبر وصار صاحبها كالآلة تملؤها بالوقود فتنطلق في كل حدب وصوب تخبط خبط عشواء تشم وتكسر وتنقلب القيم إلى أضدادها فتصير الشجاعة تهورا والصبر جبنا والعفة زهدا وترهبنا سلبية، وبالتالي تؤدي دورا سلبيا في الحياة.
ولا بد لصحة توجه الأبعاد الأخلاقية في الإسلام من غاية محددة مقصودة تحقيقها من مصدر الوحي، فالقوة بهذا التصور هي التي تؤلف الحضارة المنشودة، وبين أيدينا تجربة قرون حواها لنا القرآن الكريم، تثبت أن كل الحضارات قامت على روابط أخلاقية لا قانونية ... لأن الأخلاق تحتل الدرجة الأولى والقانون المرتبة الثانية.
والمتمعن في تاريخ الأديان والمتعمق في دراستها وسنن قيامها وازدهارها يتلمس بوضوح / وجلاء / جوهر الأبعاد الأخلاقية في الرسالات السماوية،-وبخاصة رسالة الإسلام - وربما قد يندهش من لا صلة له بهذه الحضارة السلوكية المنشودة لأنهم اعتادوا التمسك بالادعاءات المادية، بل أكثر من هذا فقد يتعمق في نفوسهم الاشمئزاز من الذين ءامنوا بدور الأخلاق في نمو وازدهار الحضارة.
(1) - تفسير سورة الأنفال للنسفي ص 64.