إليّ اللحظة الأصعب في حياتي، ولكنها الأكثر قوة وتحررًا. بعد يومين تعلمت أول صلاة جمعة، كنا في الركعة الثانية، والإمام يتلو القرآن، ونحن خلفه مصطفون، الكتف على الكتف، كنا نتحرك وكأننا جسد واحد، كنت أنا في الصف الثالث، وجباهنا ملامسة للسجادة الحمراء، وكان الجو هادئًا والسكون مخيمًا على المكان!! والإمام تحت النافذة التي يتسلل منها النور يرتدي عباءة بيضاء! صرخت في نفسي: إنه الحلم! إنه الحلم ذاته ... تساءلت: هل أنا الآن في حلم حقًا؟! فاضت عيناي بالدموع، السلام عليكم ورحمة الله، انفتلتُ من الصلاة، ورحت أتأمل الجدران الرمادية! تملكني الخوف والرهبة عندما شعرت لأول مرة بالحب، الذي لا يُنال إلا بأن نعود إلى الله" [1] ."
برفّة روحي، وخفقة قلبي ... بسرٍّ سرى في كياني يلبّي
سألتكَ ربّي لترضى، وإني ... لأرجو رضاك إلهي بحبي
وأعذبُ نجوى سرَت في جَناني ... وهزّتْ كياني"أحبك ربي" [2]
وطبيعي أن تنهال الأسئلة على الدكتور جيفري لانغ باحثة عن سر إسلامه فكان يجيب:
"في لحظة من اللحظات الخاصة في حياتي، منّ الله بواسع علمه ورحمته عليّ، بعد أن وجد فيّ ما أكابد من العذاب والألم، وبعد أن وجد لدي الاستعداد الكبير إلى مَلء الخواء الروحي في نفسي، فأصبحت مسلمًا ... قبل الإسلام لم أكن أعرف في حياتي معنى للحب، ولكنني عندما قرأت القرآن شعرت بفيض واسع من الرحمة والعطف يغمرني، وبدأت أشعر بديمومة الحب في قلبي، فالذي قادني إلى الإسلام هو محبة الله التي لا تقاوَم" [3] .
(1) نقلًا باختصار عن كتابيه (الصراع من أجل الإيمان) و (حتى الملائكة تسأل) وقد يعجب القارئ من هذا الجَيشان العاطفي للدكتور جيفري، وهو أستاذ الرياضيات! ولكن متى كانت الرياضيات أو الفيزياء بمعزل عن العاطفة، يقول الفيلسوف برناردشو"من ذا الذي يجرؤ على القول بأن الرياضيات ليست عواطف؟!"ويقول ألكسيس كارليل"لا غنى عن العاطفة لتَقدُّم العقل، فالحب ينبه العقل عندما لا يبلغ هدفه"ويقول غوته"المعرفة ستكون من الإحاطة والعمق بقدر ما يكون الحب"، ويقول لافارج:"إن العاطفة تشكل حياة العالم"فالبصيرة والعاطفة تضيء للعقل طريقه، ويقول الإمام محمد عبده"الدين الكامل علم وذوق وفكر ووجدان، فلا فرق بين العقل والوجدان، في الوجهة! فهما عينان للإنسان ينظر بهما".
(2) الأبيات للمؤلف من ديوان (أحبك ربي) ص (91) .
(3) (حتى الملائكة تسأل) د. جيفري لانغ ص (211 - 280) .