حادثة صلب الإله - في نظرهم - إذ يعتقدون أن المسيح - ويسمونه المخلص - لم يخلصهم من خطيئة آدم الأولى فحسب، بل خلصهم من جميع الخطايا التي ارتكبوها والتي سيرتكبونها، إذ يكفي - في نظرهم - أن يؤمن النصراني بالمسيح لينال رضا الله، وليفعل بعد ذلك ما يشاء.
هذه هي فلسفة النصارى فيما يفسرون به قصة صلب إلههم، ونحن على يقين أن الناقد لن يكون بحاجة إلى معرفة الحقائق الإسلامية عن حياة عيسى عليه السلام لينقض هذا الهراء المتهافت، ذلك أن ما يزعمه النصارى مناقض للعقول المستقيمة، ولأجل ذلك أصبحت تلك المعتقدات الكنسية عرضة لهجوم تيارات كثيرة كالعلمانية والملاحدة، ولعل أول ما يرد على النصارى في عقيدة الفداء هو اتهامهم لله عز وجل بالظلم من جهة، وبالعجز من جهة أخرى، أما الظلم فلأن الله قد قضى: {أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [1] وليس هذا الأمر مقررًا في القرآن وحده بل هو منصوص عليه في التوراة أيضًا فقد جاء في"سفر التثنية":-"لا يُقتل الآباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل"أهـ، فهذا نص توراتي صريح يؤيد النص القرآني بألا يتحمل أحد جريرة أحد، فما بال النصارى يريدون أن يحملوا البشرية جميعًا خطأ آدم عليه السلام، أليس مقتضى العدل أن يتحمل آدم - عليه السلام - وزر خطيئته وحده دون غيره، مع العلم أننا نعتقد كما أخبرنا القرآن أن آدم عليه السلام تاب إلى الله عز وجل فتاب الله عليه وانتهت القضية عند ذلك، وما نرى دعوى النصارى في عقيدة الفداء إلا اختراع اخترعوه ليبرروا قولهم بأن الإله صلب، وهو أمر باطل من أساسه، وما بني على الباطل فهو باطل.
هذا ما يلزمهم من اتهام الله بالظلم، أما اتهام الله عز وجل بالعجز فيظهر من خلال تلك التمثيلة الطويلة التي اخترعها النصارى من حمل مريم بالإله إلى ولادته إلى صلبه، كل ذلك ليغفر الله للناس خطيئة آدم التي لحقتهم، وكأن الله عاجز عن غفران خطيئة آدم إلا بتلك الطريقة السمجة التي ذكروها.
إن في دعوى النصارى أن ابن الإله أهين وبصق في وجهه وصلب على خشبة حتى مات مسبة شنيعة ما تجرأ عليها أحد من العالمين، حتى الوثنيون لم ينسبوا هذا النقص لآلهتهم وهي من الحجارة والطين، لذلك كان عمر رضي الله عنه يقول:"أهينوهم - أي النصارى"
(1) - النجم:38)