بمختلف الوسائل الممكنة، أداة لخداعنا. ولكننا في النهاية نحكم على إنسانيتنا بالتبخيس من خلال هذا الخداع.
هذه الوضعية العلائقية وما يتبعها من إحساس بالعجز أمام المصير المهدد دومة، وانعدام مشاعر الأمن تجاه قوى الطبيعة، تؤدي إلى بروز مجموعة من العقد تميز حياة الإنسان المقهور، أهمها عقدة النقص، وعقدة العار، مع اضطراب الديمومة واصطباغ التجربة الوجودية بالسوداوية، وهذه جميعا تدفع الإنسان المقهور بدورها نحو الاتكالية النكوصية والقدرية الاستسلامية، وطغيان الخرافة على التفكير والنظرة إلى الوجود. لا بد إذا من وقفة قصيرة عند كل من هذه النقاط كي تكتمل لدينا صورة هذا الإنسان المقهور في مرحلة القهر.
تميز مشاعر الدونية بشكل عام موقف الإنسان المقهور من الوجود. نهر يعيش حالة عجز إزاء قوى الطبيعة وغوائلها، وإزاء قوة السلطة على مختلف أشكالها. مصيره معرض الأحداث وتغيرات يطغى عليها طابع الاعتباط أحيانة والمجانية أحيانا أخرى. يعيش في حالة تهديد دائم لأمنه وصحته وقوته وعياله. يفتقر إلى ذلك الإحساس بالقوة والقدرة على المجابهة الذي يمد الحياة بنوع من العنفوان ويدفع إلى الاحترام والمجابهة. الإنسان المقهور عاجز عن المجابهة. تبدو له الأمور وكأن هناك باستمرار انعدامة في التكافؤ بين قوته وقوة الظواهر التي يتعامل معها، وبالتالي فهو معظم الأحيان يجد نفسه في وضعية المغلوب على أمره. يفتقد الطابع الاقتحامي في السلوك، سرعان ما يتخلى عن المجابهة منسحبة أو مستسلمة أو متجنبة، إما طلبا للسلامة وخوفا من سوء العاقبة، أو يأس من إمكانية الظفر والتصدي. وبذلك يفقد موقفه العام من الحياة، الطابع التغييري الفعال، ويقع في أسلوب التوقع والانتظار، والتلقي الفاتر لما قد يحدث. ثم هناك انعدام الثقة بالنفس، إذ لا شيء مضمون في وجوده. فقدان الثقة هذا يعمم منه على كل الآخرين أمثاله. وهكذا يشعر أنه وإياهم لا يستطيعون شيئا إزاء قهر الطبيعة وقرى التسلط، ويصل الأمر حد انعدام الثقة بقدرة الجماهير على الفعل والتأثير، مما يلقي به، وبشکل نکوصي، في الاتكالية على منقذ منتظر بشكل سحري. صورة هذا المنقذ هي على العكس تماما من صورته عن ذاته. إنه القوي الذي يتمتع بالجبروت، الكفيل بقلب الأمور رأسا على عقب، حامل الخلاص العاجل. ومن البديهي أن ذلك الموقف بهيئ هذه الجماهير إلى التعلق بالزعيم الفرد، تعلقة يغري بالتسلط والدكتاتورية، تحت شعار إنقاذ الوطن وخلاص الجماهير. إنسان العالم المتخلف يفتقر نظرا لما يعانيه من مشاعر دونية إلى الإيمان بالجماهير. يحس إحساسا عميقا بأنه لا يمكن أن ينتظر شيء يذكر من هذه الجماهير المقهورة على غراره، وإذا كان هناك من خلاص ممكن فهو بالتأكيد لن يأتي، في نظره، عن