أصبحت الكتابات حول التخلف من أوائل الخمسينات غزيرة، نظرا لبروز ظاهرة الدول المستقلة حديثة، في ما يطلق عليه اسم العالم الثالث، والمشكلات والقضايا التي طرحتها مهمات النهوض الاجتماعي فيها. اتخذت هذه الدراسات وجهات متعددة، ولكنها تركزت أساسا حول الاقتصاد والصناعة، والعناية بالسكان (صحة، تعليم، تغذية، إعمار، إلخ ... ) فنشأ عن ذلك علم اقتصاد وعلم اجتماع التخلف. ولكن الإنسان المتخلف لم يعط الاهتمام نفسه الذي وجه إلى البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. صحيح أن هذا الإنسان هو وليد البنية الاجتماعية المتخلفة، ولكنه ليس مجرد أمر مادي قابل للتغيير تلقائيا.
ابعاش التخلف على المستوى الإنساني کنمط وجود مميز، له دينامياته النفسية والعقلية والعلائقية النوعية، والإنسان المتخلف، منذ أن ينشأ تبعا لبنية اجتماعية معينة، يصبح قوة فاعلة ومؤثرة فيها، فهو يعزز هذه البنية ويدعم استقرارها، بمقاومة تغييرها، نظرا لارتباطها ببنيته النفسية. العلاقة إذا جدلية بين السبب والمسبب البنية والنمط الإنساني الذي ينتج عنها) مما يحتم علينا الاهتمام بهما كليهما عند بحث حالة أحد المجتمعات المتخلفة، بغية وضع الخطط التنموية
ولقد أوقع تجاهل هذه الحقيقة دارسي التخلف وعلماء التنمية، ومن ورائهم القادة السياسيين الذين يقررون عمليات التغيير الاجتماعي، في مأزق أدت إلى هدر الكثير من الجهد والوقت والإمكانات المادية، بشكل اتخذ طابع التبذير الذي لا يمكن للمجتمع المتخلف، ذي الأعباء الثقال، أن يسمح لنفسه به. انطلق هؤلاء جميعا في مشاريع تنموية طنائة، ذات بريق ووجاهة، قائمة على دراسات ومخططات جزئية، لم تتجاوز السطح معظم الأحيان، كي تنفذ إلى دينامية البنية المتخلفة من ناحية، أو إلى التكوين النفسي والذهني للإنسان المتخلف الذي أريد تطويره من ناحية ثانية. وضعت خطط مستوردة عن نماذج