أقسى اختبارات الحياة، والخروج منتصرة منها، وهي إلى ذلك حلقة متصلة من التفاني من أجل الآخرين.
بطل القصص الشعبي بكل أسطورينه، هو مجرد إسقاط الأمل الإنسان المقهور في الخلاص، لرغبته الدفينة في امتلاك القدرة على مجابهة قدره. حياته مجرد مرآة للاختبارات المتلاحقة التي يتعرض لها الإنسان المقهور ويعجز عن اجتيازها، بينما ينجح البطل في ذلك. من هنا ندرك سبب إقبال الجماهير على حلقات رواية هذه القصص، وندرك سبب الاندماج في الاستماع إلى الراوي. إنها لحظة عزاء وسلوى عن آلام الواقع الراهن. إنها لحظة عز وكبرياء وأمل، وشعور بالاعتبار الذاتي من خلال التماهي ببطولات الفارس صانع الخوارق. ويزداد انتشار حلقات القصص الشعبي بمقدار الغبن المفروض على الإنسان، ومقدار خلو الحاضر من الأمجاد. قصص البطولات الشعبية من الناحية النفسية، عرض لمأساة الجماهير، من ناحية، وأملها في الخلاص، في تغير المصير من ضعف إلى قوة، ومن مهانة إلى عز، من ناحية ثانية
بالطبع يشجع المتسلط كثيرة انتشار هذه الحلقات، ففيها هروب من الواقع وعيش في الخيال يبعد الإنسان المقهور عن الوعي بما يلحق به من غين، وما يجب عليه من النهوض إلى المجابهة من أجل التغيير. وذلك يحفظ للمتسلط امتيازاته، ويبقى الإنسان المقهور على غبنه. والمتسلط يشجع هذه الحلقات، لما تساعد عليه من تصريف للتوتر الوجودي وتصريف للعدوانية التي تهدد بالانفجار ضده، من خلال الغرق في عالم خرافي يحمل إرضاءات وهمية للإنسان المقهور.
بالإضافة إلى التماهي بأبطال القصص الشعبي، بلوذ الإنسان المقهور بتراثه وأمجاد هذا التراث. ويتمسك به بشكل جامد، حتى لا يعود يرى من مجال لخلاص من مأساة الحاضر، إلا بالعودة إلى التراث والسير الجامد على غراره دون مراعاة لحركة التاريخ. ويزداد التعنت في هذا المجال بمقدار نفور الإنسان المقهور من واقعه الراهن، لدرجة يتعرض معها لخطر خسارة الحاضر دون ربح الماضي، بينما يفترض أن تكون الرجعة إلى التراث مصدر إلهام لمجابهة تحديات العصر، ومصدر استنهاض للهمم للخروج من خدرها. وهنا أيضا بلعب المتسلط وحلفاؤه دور المشجع على التمسك الجامد بأمجاد الماضي، بشكل لا يتيح مطلقة التكيف المرن مع مهمات وتحديات الحاضر، ومتطلبات المستقبل، دافعين الفنان المغبونة إلى الجمود في مواقعها.
التعاطف والتعاضد بين أعضاء الجماعة، من الأواليات الدفاعية الفعالة ضد الأخطار الخارجية وأخطار الطبيعة، يستعيض الإنسان المقهور عن عجزه الفردي بالاحتماء بالجماعة.