فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 248

نظام التسلط والقهر، يأخذ على المستوى اللاواعي شكل العلاقة السادومازوشية. هناك من ناحية طرف قاس، ظالم، مستبد، ينزل الأذى والعذاب بضحينه، لا يستطيع أن يحس بالوجود إلا من خلال تبخيسها، وتسبب الآلام لها، لا يحس بالقوة إلا من خلال التحقق من ضعف الضحية الذي كان هو سببه. هذا الطرف المتسلط لا يستقر له توازن إلا حين يدفع بذلك المقهور إلى موقع الرضوخ العاجز المستسلم، إلى الموقع المازوشي. جوهر السادية ولبها هما علاقة سطوة، لا يستطيع المتسلط السادي أن يكون إلا من خلال التعزيز الدائم لسطوته. وهذه لا تتعزز إلا بمقدار إضعاف الطرف الآخر في العلاقة، تحطيمه والاستحواذ الكلي عليه، وتصل غايتها عندما يعترف هذا الطرف المازوشي بسطوة السادي، ويقر بعجزه إزاءه. الرباط الإنساني يأخذ في هذه الحالة منحى سيادة الأنوية بدل توازن التعاطف والاعتراف المتبادل.

السادية في الأصل عدوان قبل أن تكون جنسا. والمازوشية معاناة مادية وجسدية ومعنوية قبل أن تكون تلذذة جنسية بالألم، كما كان يشبع من آراء. وأهم من المازوشية المادية، المازوشية المعنوية، أي وضعية الرضوخ والاستسلام للمهانة والتسليم بالضعف الذات وبسطوة السادي. ويرتبط السادي والمازوشي معا في علاقة موقعية، تحدد لكل منهما مكانته. وتستمد كل من السادية والمازوشية زخمهما الحيويين من نزوة الموت، بما نتخذه من أشكال العنف والعدوان، فمصدر مهما النزوي واحد دائمة. العنف والعدوانية يتوجهان إلى الخارج، منزلين الأذى بالضحية عند السادي، بينما يرتدان إلى الذات التي ترضخ للأذى، إذا لم تستنزله، عند المازوشي، وكل من هاتين الوضعينين دفاع ضد الأخرى. فالسادي بعنف ويقسو هربا من مازوشينه الداخلية، من مشاعر الذنب التي تقف أعماق وجوده، وكلما زادت قسوته دل ذلك على شدة ذعره من أن ترتد عدوانينه إلى ذاته فندمرها. السادي يتنكر المازوشيته من خلال إلحاق الأذى بضحيته التي تجسد ما يخشاه من نفسه، وما يتنكر له من خلال هذا التجسيد بالتحديد. أما المازوشي فهو يرضخ ويستنزل الأذى بنفسه دفاعا ضد قلق ساديته التي بخشي توجهها إلى الخارج، وإفلاتها من سيطرته بشكل يدمر الآخر وبالتالي بدمر الذات معه. المازوشي هو إنسان يعجز عن تحمل نتائج ساديته. ومن هنا تبدو له الأخطار الخارجية مضخمة، وتبدو له سطوة التسلط دون حدود، ولا وهن يمكن التصدي لها من خلاله، ويتناسب عجزه ومهانته بمقدار تضخم هذه الأخطار. المازوشي يمكن أن ينقلب عدوانية، والراضخ يمكن أن يتحول إلى متمرد، يحطم سطوة المتسلط حين يتجرأ على تحمل تبعات عدوانيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت