الجماعات المجاورة علاقات صراع وعداء وحذر واضطهاد. كل التناقضات الداخلية توجه إلى الجماعات الأخرى التي تستباح عادة إذا سنحت الفرصة في أملاكها وأموالها وأرواحها. ومن الواضح أن هذه العلاقات العدائية الاضطهادية بين الجماعات تشتد وتقوي بقدر تعرضها جميعا لقرى متسلطة تبسط سلطانها على الجميع، ولا قبل لأي منها بمقاومتها. كما أن التعاضد والتعاطف بين أعضاء الجماعة الواحدة يزداد بمقدار رضوخها لمتسلط خارجي لا قبل لها به، وهنا أيضا تبرز ظاهرة الانشطار العاطفي: المتسلط هو رمز الخطر والبطش والسوء، والموقف منه هو التجنب والحذر والابتعاد عنه ما أمكن. أما الجماعة الداخلية نهي رمز الحب والحماية والأمن، والشعور بالهوية الذاتية، والموقف منها هو الاندماج فيها ما أمكن. على أن هذا الانشطار العاطفي ليس دائمة. إذ يكفي أن تتاح الفرصة لعضو ما في الجماعة كي يتقرب فعلية، أو مظهرية من المتسلط، حتى يدير ظهره لجماعته ويتنكر لها، تلك هي ظاهرة التماهي بالمتسلط التي تؤكد وجود تناقضات داخلية كامنة ضمن الجماعة الذوبانية التي تنشا کرد فعل على الأخطار الخارجية. والواقع أن الأمر في مساره الخارجي يتذبذب ما بين خشية المتسلط وتجنبه، مما يقود إلى الاحتماء الدمجي في الجماعة، وبين الحرب عليه ومقاومته في مرحلة متقدمة من تطور المجتمع نحو التحرر الاجتماعي. وبين هاتين المرحلتين تتوجه العدوانية إلى الجماعات المجاورة.
الجماعة المغلقة هي في الأصل عشيرة، أو ذات طابع عشائري. وهذه تتكون من أسرة عريضة، تتماسك فروعها بشكل وثيق. بينما تضعف الروابط بين تلك الفروع في المجتمعات الصناعية المتقدمة، كي تختزل الأسرة في خلية صغيرة هي الوالدان والأبناء ذوو العدد المحدود
الأسرة العريضة، أصل العشيرة المعروفة جيدة في علم الاجتماع، هي مؤسسة اجتماعية في المقام الأول: تنشا وتستمر نتيجة لعوامل اقتصادية - اجتماعية، ولنظام الملكية والسلطة.
ما يهمنا في هذا المقام هو الحديث عن الوظيفة النفسية التي تملأها الأسرة العريضة، أو الأسرة العشيرة تحديدا، معتبرين البعد الاجتماعي أمرا مسلمة به. تحتل هذه الأسرة في العالم المتخلف مكانة مرموقة، وتعتبر من المقدسات التي لا يجوز أن تمس، وتحاط لذلك بمجموعة من القيم والمثل العليا التي تحصنها، لدرجة تكاد تصور على أنها طبيعة الأمور ومظهر من مظاهر قوانين الحياة. ولا شك في أن كبر الأسرة يساعد على ازدياد نفوذها الاقتصادي والسلطوي، كما أنه يحفظ لها امتيازاتها. ولذلك يحرص القائمون على أمرها، الممسكون