فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 248

الفصل الثالث

العقلية المتخلفة

لا بد لأي دراسة نفسانية للتخلف، من وقفة هامة عند العقلية التي تحكم السلوك وتحدد النظرة إلى الكون. العقلية المتخلفة أو الذهنية المتخلفة، تحتل مكانة بارزة في الآراء الشائعة عن التخلف، حتى يكثر الربط بين هذه الظاهرة ونمط التفكير والنظرة إلى الأمور. فالتخبط الذهني، والفوضى، والعشوائية، وسوء التخطيط والارتجال كلها تعد من ملامح التخلف الأساسية.

تنبع أهمية دراسة الذهنية المتخلفة وخصائصها من الدور الحاسم الذي يلعبه الفكر في تقدير الواقع وتكوين الأحكام الموجهة للسلوك. هذه العقلية إذا اتصفت ببعض الخصائص التي تجعل ملامستها للواقع سطحية، عاجزة عن الغوص فيه والسيطرة عليه، وإذا اتسمت بالجمود والقطيعة، تؤدي إلى خلق عقبات معرفية جدية تعرقل خطط التنمية التي لا بد أن تنطلق من التقدير الدينامي الشمولي لذلك الواقع. إنها تعطي المبررات الذهنية لمقاومة التغيير. والأخطر من الأمرين مع احتمال إعادة تفسير المنهجيات النظرية والأساليب التقنية المستخدمة في التنمية، من خلال القوالب التقليدية للذهنية المتخلفة، مما يفقدها بدورها قدرتها التغييرية، أو على الأقل يحد منها إلى درجة كبيرة

لا بد لنا أن نكون منهجيين في دراستنا للعقلية المتخلفة، وأول شروط هذه المنهجية الاعتراف بحدودنا الذاتية. إن ما سنستعرضه في هذا الفصل من خصائص الذهنية المتخلفة وأسبابها الممكنة، لا يعدو كونه محاولة أولية لا تدعي الشمول في عرضها للواقع، ولا تدعي لذلك القطيعة، فهي عبارة عن محاولة مبدئية لتنسيق معطيات الملاحظة والمعايشة اليومية للنمط المتخلف من النظرة إلى الوجود، والتعامل مع ظواهره. إنها لا تستند إلى بحث تجريبي أو استقصاء يغطي الظاهرة ويسمح باستنتاجات نهائية. المهمة المطروحة أمامنا في هذا الفصل، هي بكل بساطة محاولة رسم صورة تدخل بعض التنظيم، تعرض بعض الخصائص الأساسية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت