الماضي التليد. الأمثلة على ذلك كثيرة ونصيحة، بعضها قديم العهد والآخر حديثه، في المجتمع العري، أحدثها عهدة مقاومة موجة الاستعمار الحديث الإنجليزي والفرنسي في مختلف الأقطار العربية، خصوصا المغرب العربي الذي تعرض لمحاولات استلاب حضاري ضارية ومنظمة، فالمغربي والجزائري، کالمصري والسوري، جميعا استعانوا واحتموا بالتراث والعودة إلى الماضي، والتمسك بالتقاليد لدرء تهديد الغزو الخارجي للهوية القومية
وتدل التجربة على أن ما يبدو واضحا في أوقات الأزمات أو الفترات العصيبة من تاريخ مجتمع ما، يعمل بشكل خفي في فترات الهدوء، وله وظائف متقاربة في الحالتين، على أن الاحتماء بأمجاد الماضي يظل أوضح في تفصحاته ووظيفته الدفاعية من التمسك بالتقاليد. ولكن النظرة المتفحصة تبين العناصر المشتركة بينهما كليهما.
ويشجع المتسلط الداخلي السلفية بشقيها تشجيعة مستمرة لانتشارها وتعزيزا لمكانتها. لأنها تكرس امتيازاته وتعطيها صبغة الأمر الطبيعي، والقانون الطبيعي الذي يحكم الحياة وبالتالي لا يجوز المساس به من ناحية التمسك بالتقاليد)، وهي تصرف الإنسان المقهور عن النهوض بواجب التغيير وتقديم التضحيات التي يستلزمها من ناحية ثانية (الاحتماء بامجاد الماضي) . وهكذا فالسلفية كدفاع وجودي، إذا كانت تخدم غرض الاحتفاظ ببعض التوازن النفسي الضروري لاستمرار الحياة، تتعارض في النهاية مع مصالح الإنسان المقهور على المدى الطويل، بمقدار حؤولها دون التغيير، تماما كما تتعارض الدفاعات النفسية في المرض النفسي مع مصالح الشخصية لأنها تحول دون نموها وانطلاقها، من خلال ما تفرضه عليها من جمود وتصلب.
المجتمع المتخلف، مجتمع تقليدي جامد، متوجه نحو الماضي، يضع العرف كقاعدة للسلوك وكمعيار للنظرة إلى الأمور. والإنسان المتخلف كائن تتحكم به التقاليد وتفيد كل حركة أو انطلاقة نحو المستقبل لديه، فعنصر القهر واضح تماما في المجتمع التقليدي الذي يمتلك أبناءه ويلغي مبادراتهم. إنه يقولبهم في صيغ جامدة وثابتة
درجة التساهل تجاه السلوك الذي يخرج عن الخطوط المرسومة لكل إنسان، تبعة للدور الذي أعطي له، ولدلالة هذا الدور ووظيفته الاجتماعية ومكانته، ضئيلة تكاد تتلاشي. ولذلك فإن حالة التوتر الداخلي، شائعة عند الفنات المغبونة في البنية الاجتماعية التي يتحكم فيها التقليد. هذه الفئة لا تملك إلا الرضوخ خارجية، رغم ما يعتمل في ذاتيتها من صراع ورغبة في التمرد وكسر القيود. الخوف شديد من هذا التمرد الذي تقابله بنشدد مطلق،