فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 248

كذلك تعجز هذه الذهنية عن إدراك العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان، بين التاريخي والانبنائي، تبدو الأمور إما متطورة تاريخية، أو محددة البنائية خارج إطار الزمن. ولكن الظواهر ليست منعزلة بهذا الشكل، فالزمان والمكان، التاريخ والبنية أمران متلازمان يتبادلان التحديد والتأثير، تاريخ ظاهرة ما يحدد بنيتها الراهنة. وهذه البنية تنعكس على صيرورتها فتحدد تطورها اللاحق الذي يعود فيغير من بنيتها، وهكذا فلا علاقة أو بنية خارج التاريخ، ولا تاريخ خارج شبكة العلاقات التي تحكم ظاهرة ماء

إن قصور التفكير الجدلي الذي يميز الذهنية المتخلفة يجعلها عاجزة عن النفاذ إلى مختلف مستويات وأبعاد الظاهرة فلكل ظاهرة مستويات متعددة من أقصى الذاتية إلى أقصى الموضوعية، ومن أقصى الخصوصية إلى أقصى العمومية، وهي محصلة هذه المستويات جميعا في تحديدها المتبادل. ونتراتب هذه المستويات جميعا، ويكتسب كل منها خصوصيته التي يمكن دراستها بشكل مشروع شريطة ربطها ببقية المستويات، إذ إن كلا منها برجعنا إلى كل المستويات الأخرى.

يخلق هذا القصور، الذي أشرنا بسرعة إلى جوانب منه، حالة من التصلب الذهني، يجعل الإنسان المتخلف يفتقر إلى المرونة، وإلى القدرة على بحث الأمور من جوانب متعددة ومنظورات ومستويات شمولية. هذا التصلب يحجب رؤية النسبية في الأشياء والظواهر، ويميل إلى المواقف القطعية (إما، أو) ، بينما هذه الظواهر هي دائما مزيج متفاوت من الأوجه السالبة والموجبة. كما أن انخفاض درجة المرونة بعطل القدرة على التكيف للوضعيات المتخلفة، وللخصائص النوعية لكل وضعية. كما أنها تعطل القدرة على استخدام وسائل مختلفة في حل تناقضات مختلفة، فتظل أسيرة الجمود في النظر والموقف والحلول المطروحة من الواضح أن انعدام المرونة الذهنية مرتبط بحالة عامة من انعدام المرونة الوجودية في التصدي للعالم، مما يشكل عقبات جدية في وجه التطوير والتنمية

ولا بد في ختام هذه الملاحظات السريعة حول نصور التفكير الجدلي، واضطراب منهجية التفكير، من التأكيد على أن هذا القصور ليس وليد خلل عضوي أو انحطاط تطوري، كما يحلو لبعض المتحيزين من علماء الغرب أن يدعوا. إنه نتاج البنية الاجتماعية المتخلفة، ووليد عوامل القهر والاعتباط التي تخضع لها الإنسان المتخلف. تصور منهجية التفكير بتناسب بشدة مع درجة القهر المفروض، وجمود البنية الاجتماعية.

الوجود المتخلف معاش وجدانية أكثر مما هو مصوغ و منظم عقلية. فبينما نرى طغيان العقلانية والحياد الانفعالي على أسلوب مجابهة الواقع والتصدي لمشكلاته في البلاد الصناعية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت