فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 248

الصناعي إلى مجمل العلاقات الإنسانية، العلاقات التسلطية نفسها في كل مكان. وترسخ السلطة الرسمية علاقات التبعية هذه من خلال أنظمة الحكم، ذات الطابع الاستبدادي إجمالا (ديكتاتورية، تسلط فردي، ثيوقراطية، الخ .. ) فليس هناك ديمقراطية (أي علاقات مساواة وتكافؤ في البلدان النامية. كما ترسخها الإدارة الفاسدة التي تخدم أغراض و امتيازات القلة. ويتوج الكل جهاز شرطة وجيش قمعيين أساسا.

هذه القلة متوجهة نحو الخارج إجمالا، ومتحالفة تقليدية مع الاستعمار، القديم منه والحديث. ولقد أدى هذا التحالف إلى توليد أنظمة اجتماعية اقتصادية هجينة ذات سطوة كبيرة. فلقد تحالفت قوة رأس المال والتكنولوجيا مع قوة الإقطاعي المستمدة من استعباد الفلاح والعامل، وهكذا تحول الصناعي الأوروبي إلى رأسمالي قامع مستعبد، وتحول الإقطاعي إلى رأسمالي مهيمن بشكل مزدوج بشرية ومالية .. واكتسب كلاهما قوة ندر أن تمتعا بها قبل قيام هذا الحلف. هذه القوة المهيمنة على الإنسان والإنتاج، هي لب البنية الاجتماعية المتخلفة. وهي المعطل الأول لنمو البلدان المتخلفة، لأنها أفقرت تدريجية القدرة الإنتاجية والشرائية لمجموع السكان، وحذت من قدرة السوق المحلي. كما أنها المسؤولة عن الحد من الخدمات والتقديمات الحيوية، (التعليم والصحة والتجهيزات الحضرية والريفية) مما يفاقم مشكلة التخلف.

تلتقي النظرة الاجتماعية للتخلف إذا مع النظرة الاقتصادية، كما تلتقي كلتاهما مع النظرة التقنية، وحتى السطحية كما رأينا من العرض السابق، في أن لب مسالة التخلف هو بنية تتصف بالقمع والقهر، بالتسلط والرضوخ، أي بحرمان الإنسان من إنسانيته. وهو ما سنحاول طرحه من خلال المنظور النفساني الذي يكمل في رأينا الصورة، ويشكل في الأساس موضوع هذا البحث.

ثانيا: المنظور النفساني للتخلف

المنطلقات التقنية والاقتصادية والاجتماعية، السطحية منها والدينامية، أكدت على نوعية وتركيب البني المتخلفة، ولكنها جميعا، فيما عدا إشارات عابرة، أهملت البني الفوقية

النفسية، العقلية، القيم الموجهة للوجود)، التي لا بد أن ترافق البنى الاجتماعية الاقتصادية، وتنتج عنها وتكملها، ولذلك فلا يستقيم الحديث عن التخلف، ولا يمكن الصورته أن تكتمل إلا إذا أعطينا لهذه البني الفوقية مكانتها. فهي وإن كانت في الأصل نتاجا اللبنى الاجتماعية الاقتصادية، وما يحكمها من قيم ومعايير التنشئة والتشريط وأنماط التربية والعلاقات، وما يحكمها من قيم ومعايير وأساطير، قرة قائمة بذاتها متفاعلة جدلية مع البني التحتية. إنها تتحول إلى عامل يرسخ هذه البنى التحتية ويعزز وطاتها. فإذا كان تحالف القلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت