المحظوظة مع القوى الأجنبية بشكل، كما رأينا في العنوان السابق، أكبر عقبة في طريق التطوير لأنه السبب الأهم في بروز ظاهرة التخلف وتضخمها، فإن البنية الفوقية النفسية التي تتلخص في خلق أنماط البشر وأنماط من الوجود متميزة بطابع التسلط والرضوخ، نشكل مصدرة هامة لمقاومة التغيير، وليس من باب المبالغة في شيء، أن نقرر أن ذوي المصلحة في التغيير، في الخروج من هوة التخلف، يشكلون في مرحلة ما إحدى العقبات الأساسية أمام هذا التغيير، بعد ما تعرضوا له من استلاب لإنسانيتهم.
المثل الأفصح على ذلك هو المرأة، التي يقع عليها عادة الغرم الأكبر ويفرض على كيانها القسط الأوفر من الاستلاب، من خلال ما تتعرض له من تسلط وما يفرض عليها من رضوخ وتبعية وإنكار لوجودها وإنسانيتها. هذه المرأة المستلبة اقتصادية وجنسية في البلدان النامية، تعاني من استلاب أخطر بكثير وهو الاستلاب العقائدي. ويقصد بالاستلاب العقائدي تبني المرأة لقيم سلوكية، ونظرة إلى الوجود نتمشى مع القهر الذي فرض عليها، وتبرره جاعلة منه جزء من طبيعة المرأة، وبذلك فهي تقاوم تحررها، وترسخ البنى التسلطية المتخلفة التي فرضت عليها، وأكثر من هذا نعممها على الآخرين، من خلال نقلها إلى أولادها، تنقلها إلى البنات منهم حين تفرض عليهن عملية نشريط من أجل الرضوخ للرجل (الأب والأخ والزوج وتفرضها على الصبيان من خلال غرس النظرة الرضوخية للسلطة، والتبعية لسيادة القلة ذات الحظوة
وإذا كان التخلف في جوهره ولبه، هو استلاب اقتصادي اجتماعي من الناحية المادية، فإنه لا بد أن يولد استلابة نفسية على المستوى الذاتي. لا بد إذا من الخوض في هذا الاستلاب الذاتي، حتى تكتمل أمامنا الصورة، ونتمكن من السيطرة على كل القوى الفاعلة في ظاهرة التخلف، مما يشكل شرطة ضرورية لأي عملية تغيير، لأي مشروع تنمية يؤمل أن يكون له من النجاح نصيب معقول و متناسب مع مقدار الجهد الذي وظف فيه.
التخلف هو ظاهرة كلية ذات جوانب متعددة، تتفاعل فيما بينها بشكل جليلي، تتبادل التحديد والتعزيز، مما يعطي الظاهرة قوة وتماسكا كبيرين، ويمدها بصلابة ذات خطر كبير في مقاومة عمليات التغيير.
وإذا كان التخلف التقني والصناعي والاقتصادي والاجتماعي واضحة في خصائصه ومحطاته، فإن التخلف النفسي الوجودي ما زال بحاجة إلى جهد كبير لاستجلاء غوامضه.
التخلف نفسية هو، فوق هذا أو ذاك من المحكات المادية، نمط من الوجود، أسلوب في الحياة ينبت في كل حركة أو تصرف، في كل ميل أو توجه، في كل معيار او قيمة. إنه نمط من الوجود له خرافاته وأساطيره ومعاييره التي تحدد للإنسان موقعه، نظرته إلى نفسه،