فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 248

يضاف إلى ذلك كله، توجه موقف الفئة ذات الحظوة، التي تمتلك السلطة، من العلم عمومة. إنها لا تشجع مطلقا انتشار العقلية العلمية والممارسة الحياتية العلمية. وإذا شجعنه جزئية فلكي نجيره لخدمة أغراضها وزيادة سطوتها (أبرز مثل على ذلك تجيير علم أو تخصص أحد أبناء عشيرة ما لخدمة سطوتها أو زيادة جاهها) . وهي تقاوم بشدة محاولات التغيير الذي بحاوله هذا المتخصص، بما يشكله من تهديد لامتيازاتها ونظامها الحياتي.

على العكس من ذلك فإن الفئة المسيطرة تمارس صنوفة من الضغط والإرهاب المعيشي على المتعلمين الذين يحلمون بالتغيير، كما أنها تشجع على انتشار الخرافات واستمرار النظرة التقليدية المتخلفة إلى الوجود. وتستخدم هذه النظرة في تكوين رأي عام مستعد لمقاومة دعاة التطوير. وهكذا يعاني المتعلم في العالم المتخلف من استمرار الذهنية اللاعلمية لتضافر عدة أسباب: شدة غرس التفكير والمعاش الخرافي في ذهنه منذ الطفولة، سطحية التعليم وعدم مكاملته 1 في الشخصية، لبعده عن تناول القضايا الحياتية والاجتماعية، الانفصام بين العلم النظري والتجربة المعاشة، الخوف من التصدي للتيارات السائدة (الخوف من الاتهام بالإلحاد) حفاظا على لقمة العيش في مجتمع قامع لا يضمن حرية الفكر ولا يؤمن للإنسان غد .. 2 وهكذا تسد السبل على أكثر من صعيد أمام تجاوز تخلف الذهنية والارتقاء بها إلى المنهجية العلمية المضبوطة.

من استعراضنا لمختلف أسباب تخلف الذهنية، رأينا أنها جميعا تتضمن عنصر قهر حياتي يقع الإنسان المتخلف ضحية له. قهر الطبيعة وغوائلها، قهر المتسلط في المجتمع الزراعي، نهر التقاليد العشائرية الجامدة التي تشل الفكر، وتمنع الموقف النقدي من ظواهر المجتمع وأنظمته، ثم القهر الذي تمارسه السلطة في المدينة على اختلاف وجوهه وأشكاله وتبريراته. كل ذلك يخلق جوة عامة من العنف يمارس على الشخصية، مانعة تفتحها وانطلاقتها وتصديها بشكل أوثق لمختلف فضاياها الوجودية

التقليد الذي يفرض جموده على المجتمع الزراعي العشائري، يقيد حرية الحركة السلوكية وحرية الموقف من الحياة، ويخلق بالتالي ذهنية متصلبة محدودة الأفق، يتحكم فيها القهر من الداخل. كل حركة فكرية تصبح إنما يستحق العقاب الشديد (النبذ، التصفية، السخرية، فقدان المكانة، الخ .. ) ، كل موقف نقدي من نمط الحياة السائد الذي يصب في مصلحة العناصر المتسلطة على العشيرة، يصبح اعتداء على المحرمات والأقداس التي لا يجوز أن تمس.

(1) مكاملة Integration

(2) . د. بدران ود. الخماش، دراسات في العقلية العربية، أدار الحقيقة، 1974.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت