المهمة المطروحة أمامنا في هذا القسم، هي رسم صورة نفسانية حية، متكاملة وشاملة، ما أمكن، للوجود المتخلف، إذ إن البنية الاجتماعية المتخلفة التي تتخذ على المستوى المعاش نمطا من الوجود، من النظرة إليه وإلى الذات، هي التي تحكم في النهاية السلوك الفردي. هذا النمط يشكل البعد الذاتي من مسألة التخلف، الذي يكمل البعد الموضوعي ويتفاعل معه جدلية، في حالة من تبادل التأثير والتحديد، ولا يستقيم بحث في التخلف إلا إذا استوعب کلا البعدين معا، وإلا فإنه يقع في التجزيئية الاختزالية التي تضلل الباحث والقاري معا، وتجعل الواقع يفلت من محاولة التنظيم والتنظير الفعالة، التي تسمح وحدها بوضع خطط تنموية مثمرة.
ليست هذه الصورة التي سترسمها، سوى محاولة مبدئية نجرب أن نجعلها تعكس غني الواقع ما أمكن. ولكن، مما لا شك فيه، أنها سترك مناطق ظلال تجعل هذا الواقع يفلت منا جزئية، ذلك أمر حتمي في البحث العلمي الذي لا بد أن يسير في اتجاه العمق والشمول بشكل تدريجي، كل طرح أو منظور يؤدي مهمته، بالقدر الذي يلقي أضواء جديدة على الظاهرة موضوع البحث، ويسمح بإثارة مسائل تتجاوز تلك الأضواء وتقفز بمعرفة الواقع قفزة جديدة إلى الأمام، من خلال الأبحاث التالية التي لا بد أن تمهد لها السبيل. ذلك هو المنطق المنهجي المضمون معرفية. فكل معرفة لا تحمل في طياتها بذور تجاوزها، ولا تفسح المجال أمام هذا التجاوز، مضللة منهجية ويجب الحذر منها.
القيمة الأساسية في نظرنا لهذه المحاولة هي في شق طريق البحث النفساني في مسألة التخلف، هي إدخال تنظيم مبدئي فيما كان يبدو عشوائية واعتباطية في تصرفات الإنسان