المتخلف وممارساته، قيمتها في المنهجية التي تحاول جمع شتات هذا الوجود المتخلف في كل مترابط، له بنيته وديناميته وصيرورته
الصورة التي سترسمها، لا بد لها، إذا أرادت أن تعكس الواقع وتعبر عنه، من أن تتصف بالحركية، وأن تبتعد عن السكونية والجمود بقدر دينامية الوجود المتخلف ذاته. بذلك تتجنب المنزلق السكوني الذي وقع فيه نفر من الباحثين في علم الاجتماع، عندما قالوا بتوحيد التخلف والتقليد. ليس هناك من مجتمع ساكن حتى ولو أغرق في التقليد. قد تكون حركينه ضئيلة في وتيرتها، وقد تكون خفيفة في مظاهرها، لكنها موجودة حتما. هناك دائما انتفاضات ومحاولات تغييرية تبرز من آن إلى آخر في أقل البني دينامية، ولكنها تطمس بسرعة نظرة لشدة قوى القمع، حتى قوى القمع هذه، قوي فرض السكون الظاهري على المجتمع التقليدي، لا تخلو من دينامية، إنها دينامية فيما تمارسه من قمع. إذا كانت البنية الاجتماعية المتخلفة دينامية رغم جمودها الظاهري، فإن الجانب الذاتي منها (البنية النفسية للتخلف) دينامية بدورها، سواء في خصائصها وملامحها الأساسية أم في أوالياتها الدفاعية.
المقصود بهذا البحث في مختلف أبوابه وفصوله هو الجماهير العفوية، غير المنظمة أو المؤطرة سياسية، التي لم تتح لها ممارستها الوصول إلى التعامل مع الواقع انطلاقا من الوعي بجدليته وموضوعيته، تبدو خصائص التخلف النفسية وأوالياته الدفاعية بأبرز صورها في نمط حياة هذه الجماهير، وأسلوب توجهها ونظرتها إلى الكون، وخصوصا في النسيج العلائقي الذي تنغرس فيه. ولكن هذا لا يعني أن الفئات المنظمة والمؤطرة، التي لديها تاريخ من الممارسة السياسية، قد تخلصت فعلا من قيود التخلف ذهنية وانفعالية وعلائقية. العكس هو الصحيح في معظم الأحيان، إذ يلاحظ تداخل بين أعلى درجات التنظير الفكري، وأشد أشكال التخلف في الممارسة، بل يمكننا القول إن هذا التداخل يميز إجمالا الممارسة السياسية والعلمية والاجتماعية في العالم الثالث. وفي أحيان أخرى نلاحظ نوعا من الهوة، بين الفكر، وبين المعاش اليومي خارج إطار الممارسة العامة. فبينما ينصف السلوك في الحالة الأولى بدرجة عالية من التقدم والتطور، نلاحظ أن المعاش اليومي على مستوى الحياة الخاصة، ما زال محكومة بمعايير وقيم ومرتبية علائقية، وبنظرة إلى الذات والآخرين على درجة كبيرة من التخلف، ذلك كله سنقف عنده بشيء من التفصيل في مواضع متعددة
حتى نعطي أقصى درجة من الوضوح والبروز لخصائص الوجود المتخلف وأوالياته الدفاعية، لا بد من تركيز حديثنا حول الفئة السكانية الأكثر غبنا في سلم السيطرة والخضوع. لا بد من الانطلاق من دراسة الإنسان المقهور. على أن الفئة التي تتمتع بقدر من الحظ وتقترب من مواقع السيطرة على هذا السلم، لا تخلو بدورها من التخلف على جميع الصعد. الواقع إنها تتصف بالخصائص نفسها وإن اتخذ الأمر طابعة مخففة أو خفية في غالب