فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 248

المقهور، على الآخرين (خصوصا الأقران والمشابهين) ، مما يسمح بتصريف العدوانية المتراكمة بصبها عليهم وغميلهم وزر المأساة الذاتية. ورغم نجاح هذه الأوالية في تخفيف المأزق الوجودي نسبية، بالمقارنة مع أوالية الرضوخ، إلا أنها لا تحمل حلا ملائمة بصفة دائمة فالاضطهاد مرهق كنمط وجودي، يجعل الإنسان يعيش دائما في حالة توقع للخطر مما لا يسمح بارتياح كاف. ثم إن الآخرين الذين نصب عليهم نقمتنا ونفرغ عدواننا ليسوا الأعداء الحقيقيين، بالإضافة إلى الصلات الإيجابية التي تربطنا بهم: صلات تعاون وتساند وصلات قربي، وصلات تعاطف نابعة من المأساة المشتركة. العلاقة معهم ليست اضطهادية محضة، ولا هي علاقة تعاطف خالص، إنها من النوع المنتجاذب عاطفية بحيث يختلط الحب والحدب مع العداء والحقد بقدر متفاوت. ولذلك فالحل الاضطهادي بظل واهية. ولا بد بعد فترة تطول أو تقصر من الوعي بمصدر المأساة الحقيقي، وهو المتسلط الداخلي وحليفه الخارجي!. ولا بد بالتالي من توجيه العدوانية والعنف نحو هذا المصدر، بعد فترة إعداد واختمار تنضج خلالها إمكانية التمرد والانتفاضة

ثالثا: مرحلة التمرد والمجابهة

وهكذا فالشعب الذي ظلوا يقولون له إنه لا يمكن أن يفهم غير لغة القسوة، يحزم أمره الآن، على أن يعبر عن نفسه بلغة القسوة» (فانون، معذبو الأرض. دار الطليعة) إن بزوغ فجر الكفاح المسلح ايشير إلى أن الشعب قد قرر أن لا يثق إلا بالوسائل العنيفة، وأن الاستعمار لا يفهم إلا بلغة القسوة).

1 -العنف المسلح

هو السبيل الوحيد ليتخلص الشعب المقهور من عقد النقص والجبن والخوف التي غرسها في عروقه الاستعمار الغربي. إنه أيضا من خلال هذا العنف الثوري يحقق الشعب ذاته، وينقي نفسه من الكسل والخيل والاتكالية 2. يطهر العنف من السموم، إنه يخلص المستعمر من مركب النقص الذي يعيث في نفسه فسادة، كما يحرره من مواقفه التأملية البائسة ويبعد عنه الخوف، ويرد إليه اعتباره في نظر نفسه، (بسام الطيبي عن فرانز فانون من كتاب: معذبو الأرض) .

يصل المجتمع المتخلف بالضرورة في مرحلة من مراحل تطوره إلى العنف، بعد فترة شيوع العلاقات الاضطهادية. وهنا يتوجه العنف ضد القوى المسؤولة عن القهر (المستعمر والمتسلط الداخلي) ، يتضح للشعب المقهور أن العنف المسلح هو السبيل الوحيد ک? يعبر عن

(1) عباس محمد علي، مجلة دراسات عرية، السنة السابعة، العدد 2، بيروت 1970

(2) د. إبراهيم سعد الدين (عن فائون) مجلة دراسات عربية، السنة السادسة - العدد 5، بيروت 1970

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت