فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 248

نفسه وعن حقه في الوجود. لقد يئس من إمكانية الوصول إلى الحق الذاتي بالرضوخ أو بالعنف الداخلي. ليس هناك من لغة ممكنة من قوى التسلط سوى لغة مماثلة للغتها، لغة القسوة، لغة الغلبة. ومع ترسخ اليأس من الحوار السلمي أو الرضوخ، بترسخ الإحساس بضرورة العنف وإلا تحول الشعب إلى ضحية دائمة ونهائية. نحن هنا أمام الظاهرة التي يسميها علماء الأحياء برد الفعل الحرج والتي تتلخص في الخيار بين الفناء أو المجابهة. وهي تلاحظ عند الإنسان والحيوان على حد سواء. فقد يستسلم الكائن الحي ويرضخ أو يهرب

طالما برزت لديه إمكانية للنجاة، ولكن عندما تنعدم هذه الإمكانية بنحول الضعف إلى قوة يستجيب برد فعل حيوي، يعبئ كل طاقاته ويكثفها في دفاع مستميت عن وجوده. ومن المعروف في هذه الحالة أن فئة مستضعفة قد تغلب فئة قوية، أنست إلى قوتها واطمأنت إلى أن الغلبة ستكون بجانبها، ولذلك فهي تستجيب بشيء من التراخي الذي بشكل مفت لها. الكثير من الانتصارات المفاجئة وغير المتوقعة التي حققتها فئة قليلة ضد فئة تفونها عدة وعددة، كان للاستجابة الحرجة دور هام فيها.

يمد العنف في مجابهة المتسلط بنوع من الإحساس بالقوة، التي تصبح رمز الحياة. المهمة الأساسية، أو المرحلة الحاسمة في هذه المجابهة هي في التغلب على خوف الموت. إن تحدي الموت وقهره يحمل في النهاية معنى الانتصار على القهر والرضوخ اللذين يعنيان موتة معنوية ووجودية. منذ اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان المقهور بتحدي الموت والظفر عليه يكون قد قلب، من الناحية النفسية الذاتية المحض، معادلة التسلط أو الرضوخ وانتصر على ذاته، مما يتيح له الانتصار على قوى القهر فيما بعد. إن الانتصار على الموت هو قضاء على اجتياف التبخيس الذاتي الذي يعني النقص والمهانة، ويعني بالتالي انعدام القيمة الذاتية. ومن هنا نلاحظ أهمية الشعارات التي تطرح في بداية مرحلة التحدي والانتفاض: استعذاب الموت والشهادة، قوافل الشهداء، تمجيد العمل المسلح. إن الحاجة إلى نهر الموت في المدخل إلى عملية التحرير. ففي ذلك انتصار على كل العقد الذاتية، انتصار على الخوف والاستكانة، انتصار على اليأس، انتصار على قلق الحاضر والمستقبل، وتحول في المصير. نهر الموت ينسف مشاعر الخوف المتأصلة في نفسية الإنسان المقهور. كما أن العنف ينسف مشاعر التنكر للذات وللجماعة وصب الحقد عليها. إنه يوحد الشعب، يقيم صلحة بين الذات والجماعة، ويرد إليهما معين الاعتبار الذاتي، بحفظ كيانهما ويحقق الأمل المشترك في الوصول إلى الإنسانية. ولذلك تنشأ لحمة قوية بين أفراد الشعب المقهور، وتبرز مشاعر الاعتزاز بالانتماء إليه. تتغير دلالة الذات والجماعة من سلبية مطلقة إلى إيجابية مطلقة، من أشد درجات التبخيس إلى أقصى درجات التقدير.

من خلال السلاح بحدث انقلاب جذري في الأدوار، يتحول الضعف إلى قوة. يتخذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت