والتفوق) إلى المتسلط، وكل القيم السلبية إلى الإنسان المقهور، ويبدو أن لا أمل في الخلاص من هذا المأزق الوجودي إلا بالاقتراب ما أمكن من المتسلط، والتنكر الشامل للذات ولانتماءاتها التاريخية والاجتماعية، حتى هذا الأمل يبدو صعب المنال في البداية، مما يولد حالة من الرضوخ السوداوي لقدر مكتوب، وحظ مقسوم، ومصير محتوم.
يستغل المتسلط هذه الظاهرة ويعمل على تغذيتها وترسيخها بكل السبل الممكنة. فهو يؤكد على ضعف وجهل وتاخر ومهانة الإنسان المقهور، ويغرس هذه الصورة في نفسه غرسة من خلال عملية تبخيس دائبة تحاصر ذلك الإنسان من كل الجوانب. تحط من قدره وتسفل كل ما يمت إليه بصلة تراثه، عاداته، قيمه، إمكاناته، ساذة أمامه كل آفاق التغيير والارتقاء بوجوده، وقد يصل الأمر حد التدمير المنظم لذات الإنسان المقهور ولترانه، لحشره في الطريق السدود الذي لا خروج منه إلا بالرضوخ، أو الاستلاب من خلال الذوبان في عالم المتسلط. وبقدر ما يحط من قدر هذا الإنسان المقهور، يحاول المتسلط تضخيم أهميته الذاتية وتفخيم عالمه وانتماءاته وأدواته، إنه ينخرط في عملية استعراض لقدراته على كل صعيد (قوته، إمكاناته، بطشه، تقنياته) ، بشكل يبهر الإنسان المقهور، ويدخل الياس في نفسه من أماكن التصدي والتساوي.
وعندما تترسخ هذه العملية وتتسع الهوة بين المتسلط وضحيته، يتحول هذا الأخير إلى حليف غير مباشر للأول، في حرب التبخيس هذه التي يقع ضحية لها. وعند هذا الحد بنقاد هذا الإنسان المقهور إلى عملية استلابه: بننكر لذاته ويحارب مصالحه، وبقدر تزايد تلك الحرب، بربط نفسه بقيود تأسره في فلك المتسلط.
تشكل هذه الوضعية نوعا من الجمود والتخدر الذاتي بشل كل إمكانية للمبادرة والتصدي، الآلام المعنوية التي ترافق انعدام القيمة تصل حدا لا يطاق. الاستكانة لا تشكل حلا ملائمة لأنها لا تؤمن الحد الأدنى من التوازن الوجودي الذي لا يمكن للحياة أن تستمر دونه، ولهذا فستظهر عاجلا أم آجلا محاولات هروب إلى الأمام، إنكارة للمأزق من خلال نفي الذات وقلب الأدوار. ويتحول الإنسان المقهور من ضحية إلى معند على أمثاله الأضعف قدرة، والأقل حظوة لدى المتسلط، يتحول بالتالي إلى أداة بطش في بده، في حالة من وهم القيمة والاعتبار الذاتيين من خلال التقرب (الاستزلام) منه. ذلك هو التماهي بعدوان المتسلط.
ينخلص الإنسان المقهور من مأزقه من خلال قلب الأدوار. بلعب دور القوي المعندي ويسقط كل ضعفه وعجزه على الضحايا الأضعف منه. الآخر الشبيه به هو المذنب، وهو