فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 248

المقصر، وهو بالتالي يستحق الإدانة والتحطيم، من خلال التماهي بالمعتدي يستعيد الإنسان المقهور بعض اعتباره الذاتي، أو على وجه الدقة يصل إلى شيء من وهم الاعتبار الذاتي. كما أنه يتمكن من خلال هذه الأوالية من تصريف عدوانيته المتراكمة والتي كانت تتوجه إلى ذاته، فتنخر كيانه وتحطم وجوده. هذا التصريف للعدوانية بصبها على الخارج من خلال مختلف التبريرات التي تجعل العنف ممكنا تجاه الضحية، يفتح السبيل أمام عودة مشاعر الوفاق مع الذات، شرط التوازن الوجودي. وتشتد الحاجة إلى الضحايا بمقدار ازدياد العدوانية وتوجهها نحو الخارج، ومقدار النقص في الوفاق مع الذات.

والتماهي بعدوان المتسلط يحمل في ثناياه وهم الخلاص الذاتي، من خلال فض الالتزام بالجماعة والتنكر للانتماءات السابقة، فهو يدفن الصورة المحقرة عن الذات من خلال دفن الماضي من ناحية، وسحب الاعتراف بارتباطاتها الإنسانية من ناحية ثانية. ومن خصائص هذه العملية، الميل إلى التطرف والشطط، فبمقدار ما يبرز الماضي إلى الوجود بندفع الإنسان المقهور في حركة هروب من الذات وارتماء في أحضان المتسلط.

مظاهر التماهي بعدوان المتسلط متعددة ومجالاته متنوعة، نجدها لدى من سنحت له الظروف کي يمارس سلطة على أناس دونه أو أضعف منه. كما نجدها عند من يلتمس حظوة من خلال التقرب من المتسلط، وهي في أبسط مظاهرها تبدأ بذلك التعالي الذي يظهره الفقير تجاه الأفقر منه، والبائس تجاه من هو أشد بؤسا منه. في ذلك التعالي يحاول أن ينكر مهانته الذاتية بصبها على الآخر. ومن مظاهرها أيضا كل التصرفات الاستعراضية للقوة، أو الرموز القوة أو حتى لوهم القوة، سواء من خلال حمل السلاح واستعراضه دونما حاجة فعلية إليه، أو من خلال استعراض العضلات. وقد لا تتجاوز حد المباهاة والتعالي من خلال التخريف والادعاءات المتفاوتة بقوة أو منعة. في كل هذه الحالات ينخرط الإنسان المقهور في حرب ضد خطر الإحساس بضعفه الذاتي والموقعي، وفي محاولات دائبة لطمس هذا الضعف. إلا أن هذه المحاولات ليست خطيرة عموما في نتائجها وآثارها. هناك حالات يبرز فيها التماهي بعدوان المتسلط صارخا مكونة نوعا من الآفة الاجتماعية والمأساة العلائقية. سنتحدث عن ثلاث منها.

الحالة الأولى ذات الانتشار المحدود نراها في ظاهرة تسلط بعض (القبضايات) على الأفراد والمؤسسات لفرض الخوة من خلال الابتزاز والتهديد، الواحد من هؤلاء يغطي ضعفه وهوائه الاجتماعي من خلال لبس جلد التمساح والاحتماء وراء مظاهر القوة العضلية والمسلحة، يتخذها لنفسه ويهدد بها من حوله. إنه يتنكر للتعاطف مع أفراد طبقته، يجمد عواطفه، يعطل إحساسه بمعاناة الكادح وتعب الفقير فارضا عليهم ضريبة متفاوتة في قدرها، بينما كان يجب أن يوظف قوته للذود عنهم ودرء قسوة المتسلط عليهم. إنه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت