الحقيقة يتبنى قسوة المتسلط لحسابه فارضة إياها على الأضعف منه. كما أنه يتبنى أسلوب حياة > المتسلط في العيش الطفيلي على حساب الناس الكادحين. يزدري العمل، ويزدري العناء الحياتي الذي يضعه أمام مهانته الوجودية وانسحاقه العلائقي. ويتخذ من التسلط المتطفل مجالا للشعور بالعزة وباختلاف المصير. كل خؤة تفرض، وكل ابتزاز متطفل يجد باستمرار نموذجا له في تصرفات المتسلط الذي يعيش من جهد الآخرين، إنه تماه بعدوان المتسلط ومحاكاة الأسلوبه في الحياة، وقد يعمم هذا النموذج متخذا درجات متفاوتة من التسلط التطفلي على جهد الأضعف، كل من أنس في نفسه شيئا من قوة يتسلط على من هو أضعف منه، وهكذا. كل يتسلط ويستغل تبعا لحجمه. وكل يزدري الأضعف منه ويرهب جانب من يفوقه قوة. ويمتزج الإعجاب الدفين بالرهبة الظاهرة. وتمتزج الرغبة في الارتفاع إلى مستوى أعلى من القوة والتسلط بمحاولة تجنب الوقوع موقع الضحية.
وقد تمارس الخوة وأسلوب العيش التطفلي ضد رموز السلطة السائدة أو بعض أفرادها. ذلك لا يغير من واقع الحال شيئا من حيث تفسير الظاهرة ودينامينها، الاختلاف هو في الشكل الخارجي فقط، هناك دومأ نموذج يحاكيه الواحد من هؤلاء، ونجده خفية أو صريحة في ممارسة ما للفئة التي تمتلك النفوذ الفعلي وتمسك بالسلطة في المجتمع.
وقد برى البعض في هؤلاء مجرد جانحين أو مجرمين يشكلون آفة اجتماعية يجب أن تجنث، ذلك صحيح من الناحية الظاهرية. ولكن يبقى أن الإجرام في أوقات السلم، كذلك خلال الأزمات التي تعصف بمجتمع ما، هو دائما تعبير مباشر أو غير مباشر عما يعتمل في بنية ذلك المجتمع من تسلط وإرهاب يتجسدان عنفا وبطشة على مستوى العلاقات الإنسانية. الإجرام تعبير عن الاضطراب في العلاقة الإنسانية الذي تعاني منه بنية المجتمع.
أما الحالة الثانية للتماهي بعدوان المتسلط فهي أكثر انتشارة وشيوعا، نجدها خصوصا في الأجهزة التي تشكل أدوات السلطة، سواء في الإدارة، أو في أجهزة الشرطة والأمن. إن العلاقة بين المواطن وبين من يعملون في هذه الأجهزة على اختلاف رتبهم ومکاتبهم تشكو في البلد المتخلف من ظاهرة التماهي بعدوان المتسلط.
فعلى مستوى الإدارة، نجد الموظف يتعالى على من هم دونه ويشتط في معاملتهم، كما بتعالى على الجمهور ويقابله بالصد أحيانا والنبذ الصريح أحيانا أخرى. وهو إن قام بما يفترض أن يقدمه من خدمات بعتبر ذلك منة من جانبه تجاه صاحب الحاجة، وليس واجبة تمليه عليه وظيفته، إنه يكاد لا يعترف إلا في حالات نادرة، بحق صاحب الحاجة من المواطنين في أن تلبي حاجته، وهو في ذلك يكرر موقف رئيسه منه، وهذا الأخير بكرر موقف المسؤولين الأعلى منه. ويتخذ الأمر في النهاية طابع سلسلة علاقة استعلائية استعبادية، وليس شكل العلاقة المرتبية الرسمية التي تفرض واجبات وتضمن حقوق لكل