بلدان العالم الثالث، إذ لم يعد من الممكن اعتبار التخلف مشكلة اقتصادية محضة مرتبطة بنظرية الاقتصاد التقليدي، خارج إطار الزمان والمكان. فلقد كانت بلدان العالم الثالث تدمج قبل الخمسينات في النظرية والممارسة الاقتصادية الشائعتين في البلدان القديمة، حيث كان يعتقد أنه يكفي لتحريكها، اللجوء إلى الديناميات نفسها التي حركت العالم المناعي، أي حرية التفاعل الاقتصادي والمبادرة الفردية، وتأسيس الأعمال والمشاريع الصناعية والإنتاجية. لقد أخفق هذا المنطلق بشكل واضح في بلدان العالم الثالث بعد استقلالها، حين ظن أنه يكفي الحصول على رؤوس الأموال الكافية والأطر الفنية الملائمة والإدارة التقنية، كي تنطلق على درب التنمية، لقد فشلت تماما نظرية إدارة الاقتصاد انطلاقا من الأساليب التي نجحت في البلدان الصناعية. وظلت هذه المحاولات في أحسن الحالات جزرة متقدمة في محيط من الجمود والبؤس، عاجزة تماما عن تحريك المجتمع بأكمله.
هذا الفشل هو الذي أطلق دراسات التخلف والتنمية، بعد أن اتضحت نوعية حال بلدان العالم الثالث وخصوصيتها. فالبلدان النامية حاليا مختلفة نوعية عن بقية العالم، لا كمية فحسب. إنها حالة خاصة في علم الاقتصاد، فرضت ربط كل من الأوضاع السياسية، من ناحية، وعلم الاجتماع من ناحية ثانية. بعد اقتصاد التخلف، نشأ علم اجتماع التخلف، حين ثبت فشل تطبيق نظريات علم الاجتماع التقليدي، الموضوعة في بلدان العالم القديم، وانطلاقا من بناها الخاصة على بلدان العالم الثالث. ولا بد في رأينا من وضع سيكولوجية خاصة للتخلف، تكمل اقتصاده و اجتماعه، وتلقي الأضواء على مناطق الظلال التي تركها هذان العلمان، وهو ما نحاول أن نسهم بنصيب متواضع فيه في هذا البحث. وقد اتضح من الأبحاث على مسألة التخلف، ضرورة التنسيق بين معطيات مختلف العلوم في كل جدلي شمولي، متجاوزين التفتت والبعثرة في دراسة الظواهر التي عانت منها دراسة الإنسان قرونة طويلة. وقد يكون ذلك من فضائل العالم الثالث على المنهجية العلمية
انطلقت الأبحاث حول التخلف من منظورات متنوعة، كما ذكرنا، ومرت خلال تلمس الطريق إلى لب المشكلة بفترة غير قصيرة من التشتت والتضارب حول تحديد التخلف ومحطاته وتعريفه، ولكن تقدم الأبحاث بدأ يبرز معالم اللقاء بين مختلف النظريات، فالمنطلق الاقتصادي بدا يصب في الدراسات الاجتماعية ويبين حتمية أخذ الوضعية الاجتماعية والبنية الاجتماعية بعين الاعتبار. وقد بدا المنطلق الاجتماعي يتجاوز دراسة العوامل الداخلية والبني الداخلية، كي يصب في منظور علائقي بين البلدان المتخلفة والبلدان المتقدمة، واضعة الاصبع على البعد السياسي الدولي والداخلي للمسألة على أنها قضية استغلال فئة قليلة لفئة كبيرة من