فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 248

ابن العشيرة، وابن القرية المتأخرة كلاهما ملك لعشيرته ولقريته (مالية وجسدية وحباتية وجنسيا) وبالتالي فذهنهما ليس ملكا لهما. القيود المفروضة عليهما تؤدي إلى استلاب إمكاناتهما النقدية والتحليلية والجدلية.

المرأة تشكل مثالا صارخا على هذا الاستلاب. إنها ملكية اجتماعية (العشيرة أو القرية أو الأسرة، أو الزوج وقبله الأب والابن والعم والخال) ، كيانها ليس ملكا لها. ليس لها أن تختار، وبالتالي ليس لها أن تناقش، أن تفكر وتحلل. عليها أن ترضخ للسلطة، أن تكون موضوعة وأداة. وهكذا فقدت نتيجة لهذا الاستعباد المزمن القدرة على استخدام طاقاتها الذهنية ودفعت إلى مواقع العاطفة والانفعال والمعاناة والخرافة والحلول السحرية تجابه بها وضعها. بعد أن فرض على ذهنها الجمود والشلل، وبعد أن غرقت في الخرافة، يأتي الرجل ومن ورائه قوانين النهر التي فرضتها الفئة المتسلطة لمصلحتها الذاتية، ليبرر تسلطه ووصايته عليها من خلال اتهامها بقصور العقل، وانعدام الفهم، تماما كما يبرر المتسلط في الريف ما يفرضه من قهر على الفلاح، بغباء هذا الأخير وانعدام حبلته وعجزه عن التصدي لقضايا حياته.

وتفرض المرأة على أطفالها هيمنتها العاطفية كوسيلة تعويضية عما لحق بها من غبن باسم الأمومة المتفانية. تغرس في نفوسهم التبعية من خلال الحب، تشل عندهم كل رغبات الاستقلال (يجب أن يظلوا ملكيتها الخاصة) . وتحبطهم بعالم من الخرافات والغيبيات والمخاوف. ينشأ الطفل بالتالي انفعالية، خرافية، عاجزة عن التصدي للواقع من خلال الحس النقدي والتفكير العقلاني.

باني الأب، بما يفرضه من قهر على الأسرة من خلال قانون التسلط والرضوخ الذي يحكم علاقاتها، ليكمل عمل الأم. يغرس الخوف والطاعة في نفس الطفل ويحرم عليه الموقف النقدي مما يجري في الأسرة، من الوالدين وما يمثلانه من سلطة (تحت شعار قدسية الأبوة وحرمة الأمومة) ، ويتعرض الطفل باستمرار لسيل من الأوامر والنواهي باسم التربية الخلقية، وباسم معرفة مصلحته وتحت شعار قصوره عن إدراك هذه المصلحة, يفرض عليه أن يتلقي المنع والقمع وأن يطيع دون نقاش. وهذا يشل بالضرورة تفكيره، ويغرس في ذهنه نظاما من القهر والتسلط والاعتباط يصبح فيما بعد القانون الذي يتحكم بعقله. هذا النظام بما يتضمنه من انفعالات ومخاوف، وبما يفرضه من قيود بشل الفكر الجدلي والإرصان الذهني للتجارب الحياتية، يعطل القدرة على التجريد. وهي جميع الشروط الحاسمة للارتقاء الفكري والحياتي.

علاقة الطفل في العالم المتخلف مع والديه تخلو من الإرصان العقلي للتجارب الحياتية. الاستجابة الأساسية تجاه مختلف وضعيات الحياة تظل انفعالية أو نهرية. فبعد أن يتعرض السيل من تفسيرات الأم الخرافية، يندر أن يوازنها بعلاقة حوار مع الأب، تجعله يتمكن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت