فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 248

الصياغة الفكرية لتجارب الحياة. الأب إما أن يكون عاطفية، أو أمرا، أو غاضبة أو معاقبة، وهنا قد يستخدم اللغة الحركية (الضرب) . وكلها بعيدة بالطبع عن تدريب الطفل على تحكيم العقل في سلوكه، وتحكيم قوانين المنطق والعلم في تجاربه الحياتية.

وتتابع المدرسة عملية القهر والشلل الذهني التي بدأت في الأسرة من خلال سلسلة طويلة من الأنظمة والعلاقات التسلطية يفرضها نظام تربوي متخلف، ومعلمون عاجزون عن الوصول إلى قلوب الطلاب وعقولهم إلا من خلال القمع. وتتحول الدراسة إلى عملية تدجين، تفرض الخصاء الشخصي والفكري على الطفل، كي يكون مجرد أداة راضخة. يتم ذلك بالطبع تحت شعار غرس القيم الخلفية (قيم الاحترام والطاعة والنظام وحسن السيرة والسلوك) . لا يسمح للتلميذ أن يعمل فكره، أن ينتقد، أن يحلل، أن يتخذ موقفا شخصية، أن يختار، لا يسمح له ببساطة أن يكون كائنا مستقلا ذا إرادة حرة. وبالتالي يقع ضحية عملية خصاء ذهني أصبحت معروفة تماما لدى علماء التربية والاجتماع المحدثين الذين حللوا عملية التدجين المدرسي، وهي في الواقع في صلب حركات الرفض الطالبية الحديثة.

تتابع سلسلة القمع والقهر المفروضين على الذهن والنفس جميعا أثناء التدريب المهني، وأثناء العمل، وفي كل مكان. إنها الخاصية الأساسية للعلاقات السائدة في العالم المتخلف. وعندما يعشش الإرهاب والقهر في الإنسان على هذا النسق، عندما لا يكون أمامه نموذج آخر سوى نموذج التسلط والرضوخ، لا بد للذهن أن يفقد مرونته وحرية حركته والاتجاه التحليلي النقدي. الجبرية والقدرية اللتان بدأ يغرسهما الموقف الخرافي والغيبي من الوجود في الطفولة، تعززان من خلال الاعتباط والتصلب اللذين يفرضهما التسلط فيما بعد. يفقد العقل سيادته نظرا لتحكم التسلط في نفسية الإنسان المتخلف. فالجدل والتفكير النقدي لا يتاح لهما النمو في النهاية إلا في جو من العلاقة الديمقراطية الحقيقية، التي وحدها تجعل الحوار ممكنا، وتفتح الطريق أمام قانون التناقض، تلافي الامع، وال اضدا في علاقة الجدل. الذهن المتخلف يعاني من التفكير وحيد الجانب والاتجاه، نظرا لتحكم علاقة التسلط والرضوخ: كلمة السيد وأوامره، قانونه، يقابلها معاش انفعالي عند التابع الذي يعمم بدوره الموقف الذهني نفسه في مختلف وضعيات الحياة. شلل الفكر النقدي نابع من فرض الطاعة دون حق النقاش والفهم.

وراء القصور المنهجي، وقصور الفكر الجدلي، وراء طغيان الذاتية، نعتقد أن ما يميز العقلية المتخلفة هو ذلك النموذج من التسلط والقهر الذي يحكمها، هو تغلغل الإرهاب حتى أعماق النفسية كاسلوب وحيد لتصور العالم. هذه الوضعية المترسخة تخلق مقاومة عنيدة وخطيرة بقدر ما هي خفية لكل تغيير. ولكل تنمية في اتجاه الاعتبار الحقيقي لإنسانية الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت