على مستوى البنية الاجتماعية للتخلف، هناك من عند بعض المحكات انطلاقا من الربط بين التخلف والمجتمع التقليدي أ. هاجن» (دائرة المعارف العالمية، المجلد الخامس، مادة علم اجتماع التنمية) يعدد خمسة محكات لذلك المجتمع: انتقال العلوم من جيل إلى آخر بشكل جامد إجمالا، تحكم العادة والتقليد بالسلوك لا القانون، نظام اجتماعي تحكمه مرتبية جامدة، تحديد المكانة الاجتماعية للفرد ولادية، أكثر مما تتحدد من خلال الكفاءة، إنتاجية منخفضة جدة. وأهم من ذلك هناك مقاومة للتغيير تنبع من تضافر نظرة رضوخية إلى العالم الطبيعي (الرضوخ لسيطرة البيئة والقوى الماورائية) ، مع بني اجتماعية ذات نمط تسلطي تنشا شخصية ذات بنية تسلطية، مما يخلق ويعمم نظاما من العلاقات يتصف بالسيطرة= الرضوخ، والامتثال يعرقل عملية التغيير من خلال سد السبيل أمام ظهور قوى الرفض.
رغم أن هذا الباحث يؤكد على خصائص هامة للبلدان النامية من حيث تحكم المرتبية الجامدة فيها، وانتشار بني التسلطية - الرضوخية، فإن الكثيرين ياخذون عليه رد هذه البني إلى التقليد والسلفية. إن في ذلك الرد نوعا من التستر على حقيقة المشكلة التسلطية التي تتحكم ببلدان العالم الثالث، ولا تعود إلى التقليد بقدر ما تعود إلى تحالف قوى معاصرة داخلية وخارجية ضد القطاع الأكبر من السكان، خالقة بذلك ظاهرة بنية التسلط - الرضوخ معاصرة تماما، أو هي قد استفحلت في هيمنتها وآثارها السلبية منذ ظهور الاستعمار بأشكاله المختلفة. إنها ظاهرة سياسية في نهاية المطاف، تتميز بالقهر المفروض على مجمل السكان في البلدان النامية. يتحدث الاكوست» عن هذه الظاهرة تحت عنوان «البنى الاجتماعية القامعة والمولدة للشلل، (ص 73 وما بعدها) . فمن الخصائص الأساسية قطعة للبلاد النامية، التعارض الحاد والصارخ بين الغنى المفرط لقلة من السكان، وبؤس غالبيتهم الساحقة. هذا التفاوت العنيف مميز لكل البلاد النامية.
بين هذه القلة ذات الامتيازات المفرطة، والغالبية البائسة، تقوم علاقات إقطاعية أو شبه إقطاعية. العلاقات الاقتصادية بين المستخدم ورب العمل لا تقوم على العقد، بل تتصف بالتبعية. يرتبط الفلاح بمالك الأرض، والعامل بصاحب رأس المال، في علاقات شبه عبودية تفرض عليه الرضوخ، إذا أراد ضمان قوته والاطمئنان ليومه وغده. مالك الأرض هو السيد بالنسبة للفلاح، يجد هذا الأخير عنده الحماية من خلال الرضوخ والاستزلام) من بعض غوائل الطبيعة والناس .. مصير الفلاح أو العامل مرهون برب عمل واحد، ليس له
حرية الحركة في عمله أو في إقامة اتفاقياته. إنه رهن اعتباط قانون السيد. ولا بد له إذا أراد تجنب التشرد أو الاضطهاد من البقاء في حالة التبعية هذه، لا يملك من خيار إلا الانتقال من الولاء لسيد إلى سيد آخر. هناك أيضا التبعية للمرابي الذي يقيد بالديون المزمنة.
هذه التبعية تنتقل من الريف إلى المدينة، ومن مجال العمل الزراعي واليدوي أو