فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 248

ومن أخطر أوجه القصور في الذهنية المتخلفة العجز عن رؤية قانون التناقض، أو تکامل الأضداد. الأشياء والإنسان مهما دائما في علاقة. هذه العلاقة تضم طرفين أو أكثر في حالة تفاعل دائم وتأثير متبادل. ولا بد لفهم أمر ما من دراسة كل من طرفي العلاقة وفهم المركز الخاص الذي يحتله كل منهما، والشكل المحدد الذي يعتمد به على الآخر. فكل طرف يتطلب وجود الطرف الآخر، المتناقض معه كشرط لوجوده. وحدة العلاقة تقوم على دينامية التناقض. الحقد مثلا، ليس ظاهرة تذهب في اتجاه واحد. إنه لا يتم إلا في علاقة مع آخر ينصب عليه الحقد، ويقف منه موقفا محددة يعطي لذلك الحقد طابعه الخاص، وبدونه لا يظل ممكنة. الحاقد وموضوع الحقد، تجمعهما وحدة العلاقة رغم تعارضهما. شحنة الحقد تنطلق من الطرف الأول، وتصل إلى الطرف الثاني الذي يستجيب لها بشكل مميز، استجابة تنعكس على الطرف الأول وتعدل من موقفه ومن قوة الشحنة الانفعالية. وهذا التغيير الجديد بعود فينعكس على الطرف الثاني، مما يؤدي إلى تغييرها في حركة تاريخية دائمة، العلاقة السببية ليست طولية، بل تفاعلية تصاعدية تذهب من الأول إلى الثاني ومن الثاني إلى الأول، بشكل يجعل كلا من الطرفين فاعلا ومنفعلا، سببة ونتيجة في آن معا.

لا تقتصر الذهنية المتخلفة في إدراك هذه العلاقة فقط، بل إنها تعجز عن تقدير دور كل من طرفي التناقض. تعجز عن التفريق بين الأساسي والثانوي، بين المحوري والحدودي، بين القاعدي والعابر، تساوي كل هذه الأمور في الأهمية، وتساوي بين وزن هذه الظواهر جميعة. بينما يعلمنا المنهج الجدلي أن هناك دائما طرفة أساسية وطرفة ثانوية في التفاعل. كما يعلمنا أن العلاقة لا تظل ثابتة على الدوام في صيغة واحدة، كما يذهب الذهن المتخلف، بل هي متحولة، فالطرف الذي كان أساسية في التفاعل قد يصبح ثانوية في مرحلة تالية، بينما يحتل الطرف الثانوي دورة أساسية.

بالإضافة إلى التناقض الخارجي بين شيء ما وغيره من الأشياء، هناك التناقض الداخلي ضمن ذلك الشيء. فالظاهرة ليست كتلة واحدة متماسكة، بل هي نتاج تفاعل قوى داخلية متعددة في اتجاهها ومتكاملة في تعارضها. الشكل الذي تتبدى فيه ظاهرة ما، هو نتاج هذا التناقض الدينامي الذي يكونها داخلية. كذلك هو حال الزمن الذي يتكون من وحدات متناقضة، كل منها بشكل شرط وجود الأخرى ويحدد مظهرها واتجاهها. بالإضافة إلى علاقة التناقض والتحديد المتبادل بين الجزء والكل، بين الذاتي والموضوعي، بين العقلاني والانفعالي، بين النفسي والمادي، بين العام والخاص، هناك تناقض وتحديد متبادل بين العناصر المكونة لكل من هذه الأمور. الذهنية المتخلفة لا تستطيع إدراك قوى الشد والجذب، قوى التقدم والحركة في علاقتها الجدلية مع قوى الصد والجمود، داخل كل ظاهرة وفي علاقة الظواهر فيما بينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت