مختلف النشاطات وعلى مختلف الأصعدة ومختلف مستويات المسؤولية، وذلك ما حدا باحد الباحثين 1 إلى الحديث عن التخلف في العمل السياسي، باعتباره أساسا عجزا عن استخدام المنهج الجدلي بمختلف مبادئه.
تنطلق الذهنية المتخلفة في نظرتها للأمور من مبدأ العزل والفصل. الشيء قائم بذاته، منفصل عن بقية الأشياء والظواهر. تطلق حكمة تقويمية نهائية بشأنه، من خلال إطلاق صفة الثبات عليه، الأشياء هي ما هي عليه. على العكس من ذلك نجد المنهج الجدلي بقول بالدينامية والصيرورة من ناحية، وبالتحديد العلائقي من ناحية ثانية. الشيء لذاته هو تجريد فارغ لا حياة فيه. كل شيء هو لذاته وللآخرين، كل شيء هو دوما في علاقة، أو مجموعة علاقات مع أشياء أخرى. ليس الإنسان وحدة منعزلة، بل هو جملة العلاقات الأساسية التي يقيمها مع الآخرين والتي ينغرس فيها تاريخيا. إنه جملة الدلالات التي باخذها انطلاقا من هذه العلاقات، بينما تظل النظرة المتخلفة للواقع تفتيتية تكديسية، تعزل الظواهر بعض عن بعض، لتعود فتكدسها بدون إدراك علاقات الترابط، القائمة بينها بالضرورة، مما يجعل العالم يبدو کفسيفساء لا لحمة بينها، كما أن هذه الذهنية بعجزها عن النظرة الكلية الدينامية، لا ترى من الأمور إلا جانبا واحدة فقط. إنها تخفق في إدراك الترابط والتفاعل الشبكي والتاريخي بين الظواهر، وما ينتج عنه من حركية وتغير.
تتحكم نظرية الجوهر الثباتية بالنظرة المتخلفة إلى العالم. فالأشياء تبدو ساكنة بصفة مستديمة، ويبدو العجز واضحة عن رؤية التحولات الحتمية في هذه الأشياء. وعندما تدرك الحركة في ظاهرة ما، فهي تدرك كحركة ميكانيكية، تذهب في اتجاه واحد، صاعدة أو هابطة
لا تستطيع أن ترى ترابط القفزات، وتکامل حركة التقدم وحركة التقهقر کوحدة جدلية. إنها تعجز عن إدراك الصيرورة الزمنية على أنها قفزات متناقضة ولكنها مترابطة ومحددة لبعضها البعض، وليست خطا متواصلا صاعدة»، (د. نديم البيطار، المرجع السابق) .
تنطلق الذهنية المتخلفة من مبدأ السببية الميكانيكية في النظر إلى الأمور، السببية ذات الاتجاه الواحد: سبب معين يؤدي إلى نتيجة معينة، التأثير ياتي من السبب ويؤدي إلى النتيجة. أما الحركة في الاتجاه المعاكس (تأثير النتيجة على السبب فغير منصورة. كما أنها تنطلق من السببية المبسطة: سبب واحد أو عدة أسباب مترابطة تؤدي إلى نتيجة ما. وتقوم بين هذا السبب وتلك النتيجة علاقة مغلقة تعزلهما عن بقية الأسباب والنتائج، وهي بذلك تقصر عن الإمساك بالواقع الذي تتفاعل فيه الظواهر زمانية ومكانية، وتتبادل التحديد والتأثير.
د. نديم البيطار، التخلف السياسي وابعاده الحضارية، مجلة دراسات عربية السنة العاشرة، العدد و، بيروت 1974.