فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 248

للوصول إليه بشكل أكثر فعالية ودوامة من خلال سلوك مسارات غير مباشرة. ذلك ما يميز إجمالا السلوك الاستراتيجي الذي يتضمن تخلية جزئية أو خسارة مؤقتة من أجل نجاح أكبر.

عندما توضع الظواهر المحلية في إطار أعم وأشمل تأخذ حجمها الطبيعي، ضمن نظام عام من القوى، مما يسمح بسيطرة أكبر على الواقع. إن السيطرة على المصير رهن في النهاية بمدى شمولية النظرة زمانية ومكانية. بذلك يحتل العقل دوره الحقيقي في توجيه الحياة. وبذلك ينحسر طغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص،

لا يقتصر الأمر على المستوى الفردي، بل إن التخطيط الرسمي يشكو في البلدان النامية من جزئية النظرة ومحدوديتها. توضع مشاريع كثيرة وتصرف عليها الأموال الطائلة، ولكنها تظل مشاريع معزولة أو قطاعية، لا تدخل ضمن تخطيط شامل، ولا تدرس أبعادها ونتائجها انطلاقا من حالة مختلف قطاعات المجتمع. فالتصنيع مثلا يتخذ في الكثير من الأحيان شكل المشاريع الرائدة، أو المجمعات الكبرى، أو جزر الصناعة الثقيلة، دون إعداد كاف وتخطيط مستفيض، وبالتالي تقع هذه المشاريع في مأزق متعددة بعد فترة غير طويلة من الزمن: فقدان الأطر الفنية، فقدان القدرة على الصيانة، فقدان التبصر بتأثيرها على التوازن الاجتماعي والسكاني والسلوكي، يضاف إلى ذلك فقدان القدرة على تطوير هذه المشاريع، مما يجعلها تقع في السكونية فتصبح قديمة، سرعان ما يتجاوزها التجديد المتصاعد في البلدان الصناعية. وهكذا تتحول في بعض الحالات إلى نوع من هدر الثروة القومية، دون أن تؤدي إلى التطوير الاجتماعي المرتجي. ليس هذا الهدر غريبة في الواقع على جشع أوساط المال والصناعة في البلدان المتقدمة، تلك الأوساط التي لا تفكر إلا باصطياد فرص الربح الأكبر والأسرع التي توفرها البلدان النامية. وهكذا تزين هذه الأوساط من خلال الخبراء الذين يبدون محايدين وعقلانيين، مشاريع ضخمة تدغدغ نرجسية الحكام وحاجتهم إلى الشعور بالعظمة، من خلال المظاهر الطنانة الدعائية، تقام هذه المشاريع التي تصور كمفخرة قومية، في إطار عام متخلف عاجز عن استيعابها والاستفادة منها بالشكل المرجو، وإذا بالعقبات الإنتاجية تبرز تباعا بعد فترة لا تطول، ولا يستبعد أن يأتي خبراء آخرون ليكتشفوا أخطاء كبيرة في إنشائها، ولا يستبعد أن يقرروا عدم ملاءمتها أصلا لذلك المجتمع، مما يؤدي إلى قرارات بإلغائها أو تجميدها، الأمر الأكيد في رأينا، أنها ليست مطلقة مسألة مصادفة، أن لا تحدث اكتشافات مأسوية بهذا الشكل إلا في المشاريع الطنانة التي تقام في البلاد النامية.

2.1. قصور التفكير الجدلي

قصور التفكير الجدلي هو لب الذهنية المتخلفة. فهي جامدة قطعية، وحيدة الجانب، تتبع مبدأ السببية الميكانيكية، عاجزة عن العمل تبعا لمبدأ التناقض. ويلاحظ هذا القصور في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت