ترجع إلى انعدام رغبة من هم في موقع المسؤولية في التنفيذ. توضع الخطط لإيهام الجمهور بمستقبل يضع حدا لآلامه، وتظل في النهاية من نوع الإلهاء وامتصاص النقمة.
إن الآنية، العيش في الحاضر وانسداد آفاق المستقبل، هي إحدى الخصائص النفسية اللوجود المتخلف، إنها نتيجة تعرض الإنسان المقهور لاعتباط قوى الطبيعة وقوى السلطة، وهي أيضا نتيجة انعدام الضمانات الحياتية، فالإنسان الذي فقد السيطرة على مصيره يستحيل عليه التخطيط لهذا المصير، ويظل بالتالي أسير الظروف. يعيش ليومه غير عارف ما يمكن أن يحمله الغد. إن التخطيط باعتباره وسيلة للسيطرة على المصير وتوجيهه وجهة ملائمة للإنسان، يشكل تحدية فعلية للإنسان المتخلف لأنه لا يملك أسبابه. ولذلك فإن عجز هذا الإنسان يسير عموما في اتجاه النفاقم. نظرا لأن التخبط والعيش في اللحظة الراهنة يرسخان وضعه. وهكذا يتنقلب الإنسان المتخلف ما بين التفاؤل والتشاؤم تبعا لطبيعة اللحظة الراهنة التي يمر فيها، يفرط في تفاؤله أمام الظفر العابر، ويفرط في تشاؤمه أمام الانتكاسة الآنية.
أما مکانية، فالإنسان المتخلف يظل تجزيئية، يعجز عن النظر أبعد من دائرة ضيقة، هي حدود محيطه المباشر. إنه عاجز عن الشمول، وعن استشفاف آفاق بعبدة، عن وضع خصائص المحيط المباشر في أطر أكثر اتساعا وعمومية. هذا الانحسار لحدود المجال الحيوي الذي يعيش ضمنه الإنسان المتخلف يؤدي عموما إلى بروز، أو ترسيخ ظواهر نکوصية (1) في التفكير، الذي يكتسب ساعتنذ خصائص طفلية وبدائية. وهي بدورها تزيد من درجة التوتر الانفعالي الذي يفقد الذهن صفاءه وشموله، ويلقي به في مزيد من الآنية والعينية. وهكذا يجد الإنسان المتخلف نفسه متمسكة بالمحسوس والملموس ومكتفية بما هو آني، ويؤدي انحسار المجال الحيوي على هذا الشكل إلى تضخيم الأمور حتى التافه منها. تأخذ القضايا البسيطة أبعادة مفرطة في حدتها لدرجة تطمس معها رؤية ما عداها، واستشفاف ما يتجاوزها. إن هذه القضايا البسيطة تطغى على وجود الإنسان المتخلف حتى تشكل محوره. وبالتالي يتوجه السلوك انطلاقا من هذه المحورية الضيقة مما يجعل قدرته على التصدي للواقع ضئيلة أو شبه منعدمة، طالما أن الثانوي يحتل إمكانية التكيف، ويفسح المجال أمام الانفعالات والتفكير السحري للبروز والسيطرة على الإدراك والممارسة. يتوقف مستوى التكيف عمومة
على اتساع المدى الزماني والمكاني للإدراك. هذا الاتساع كلما كان شاملا ساعد على التفكير الحلاق والسلوك الناجح المبتكر. إنه وحده الذي يسمح بسلوك الالتفاف 2 الذي يشكل أحد الشروط الأساسية للسيطرة على الواقع. ويتلخص هذا السلوك في الابتعاد الآني عن الهدف
(1) نكوص Regression
2 -سلوك الالتفاف Conduit de detour