والتشتت، بنطلق بحماس كبير ولكنه يفقد حماسه بالسرعة نفسها التي بدا فيها. إن حماسه والتزامه بلا غد. ولذلك تكاد الخطط بعيدة المدى تصبح مستحيلة. إنه بحاجة إلى نتائج آنية وشبه سحرية. ولا قدرة له على الجهد الطويل النفس المركز حول المسألة نفسها. وينتج هذا الأمر، كما اتضح لنا في الفصل السابق عن اضطراب الديمومة. ولهذا يصعب على الإنسان المتخلف أن يكون باحثة متخصصة، لأن البحث يحتاج إلى جهد دؤوب ومثابرة تتغلب على صعوبات البداية، وصعوبات وملل مرحلة الإعداد والاختمار قبل الوصول إلى النتائج. تلك نتيجة منطقية لعالم بحكمه الحظ والحظوة ولا مكان فيه للارتقاء من خلال الجهد الذاتي البعيد المدى. إنه نتيجة اليأس من إمكانية الوصول من خلال الجهد الذاتي. وهكذا يظل الطابع السائد في المجتمع المتخلف لمواجهة الأمور، هو طابع تدبير الحال، طابع البحث عن المناسبات التي تحمل إمكانات النجاح السريع.
من السمات البارزة ايضا للعقلية المتخلفة في تقديرنا، انعدام الدقة والضبط في التصدي للواقع، وفي تقدير الأمور، كل شيء يظل على مستوى التقدير الإجمالي والانطباع العام. الدفة الرياضية لا مجال لها في العالم النامي. كل شيء عرضة للتهاون والتراخي والتساهل حتى الاستهتار. نلمح ذلك في مختلف أشكال الالتزام تجاه الآخرين: الالتزام بالواجبات، الالتزام بالمسؤوليات، الالتزام بالتعهدات التي قطعها الإنسان على نفسه، الالتزام بدقة المواعيد العالم النامي يطفو على سطح الظواهر ويكتفي بعمومياتها. كل شيء بعمل كيفما اتفق، من تصليح الآلة، إلى تنفيذ المهمات، إلى مسائل الإنتاج ووضع خطط مختلف المشاريع. إن مقدار الدقة والضبط في التعامل مع الواقع والآخرين يدل على مدى السيطرة على الوجود، ومدى تنسيقها تحديد المسؤوليات والالتزامات. ولا غرابة إذا في فقدان العقلية المتخلفة للضبط والدقة، ما دام الإنسان يعيش في حالة تعمية للمسؤوليات وتنكر للالتزامات ورضوخ لاعتباط الطبيعة وقهر المتسلط.
تتلخص كل الخصائص السابقة في العجز عن التخطيط، فالذهنية المتخلفة تنظر إلى الواقع بشكل تجزيئي زمانية ومكانية. من الناحية الزمنية يغلب عليها التركيز على الحاضر، الانحسار ضمن حدود آنية، الأفق المستقبلي يظل ضيقا ولا يصل مستويات بعيدة المدى. بينما يخطط العالم المتقدم لعدة سنوات وحتى لعشرات السنوات مع تقسيم للمراحل، نجد العالم النامي بعيش ليومه، يلاحظ أحيانا نوع من الحماس للتخطيط فتوضع خطط (ثلاثية، وخمسية الخ .. ) ولكن ندر أن تنفذ، ومن الأندر، إذا نفذت، أن تصل غايتها. توقف الخطة بعد فترة تطول أو تقصر، تحرر وتبدل ما ينسف جوهرها، مع ما في ذلك من تبديد خطير للجهد والإمكانات التي يحتاجها العالم الثالث أكثر من غيره. وتظل الأمور على حالها من التخبط، بلاحظ هنا أن المسؤولية لا ترجع فقط إلى قصور القدرة على التخطيط، بقدر ما