فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 248

الجماعة التي تشكل تهديدة دائمة لأفرادها بالنبذ أو التشهير أو التصفية إذا حاولوا المساس بالعرف السائد.

ويتوسل المجتمع، وخصوصا الفئة ذات الامتياز فيه، وسائل عديدة لتعزيز التقاليد وفرض الجمود على حركة الفرد وبنية الجماعة. معظم هذه الوسائل ذات طابع قمعي أساسا. يضاف إليها تفسير للكون من خلال التقاليد والبنى العلائقية والمرتبية الاجتماعية السائدة، حتى ليبدو الأمر وكانه الطبيعة الوحيدة للحياة، وأن كل مساس به هو مساس بقوانين الحياة التي لا يجوز أن تمس، فرضوخ المرأة واستعبادها ليسا استغلالا لكائن مقهور، بل هما طبيعة المرأة ذاتها، أو هكذا بصور، وبالتالي فهو أمر طبيعي عليها أن تتقبله كخاصية أساسية من خصائص كيانها البيولوجي، واستغلال الأبناء كأدوات (للقوة، أو الجاه، أو الثروة، أو تو کبد ذكورة الأب وأمومة الأم، أو إقامة التحالفات من خلال المصاهرة) هو جزء من العلاقة الطبيعية البيولوجية بين الآباء والأبناء. استغلال الآباء لأبنائهم والتحكم بمصائر بناتهم والإتجار بهن حق مقدس لا يجوز أن يمس. غنى المتسلط وفقر الكادح، عبارة عن نسمة طبيعية للأرزاق والمقامات، لا يجوز المساس بها وليس من سبيل سوى تقبلها والدفاع عنها.

ويتوسل المتسلطون الدين، من أجل ترسيخ العرف الشائع الذي يخدم مصالحهم قبل كل شيء، ويعززون سطوة التقاليد من خلال آيات وأحاديث لا مجال للشك فيها، وإلا تعرض إيمان الإنسان المغبون للخطر وأمله الوحيد في عزاء دنيا الآخرة للتلاشي، ولكن اللافت للنظر هو أن المجتمع التقليدي، والذين يمسكون السلطة فيه ويتمتعون بكل الامتيازات، لا يبرزون من الدين سوى الجوانب التي تؤكد سلطتهم، وتعزز العرف الشائع والنظام المرتبي. فقط تلك الجوانب التي تؤكد على القناعة بالأمر الواقع وتقبله تبرز وتتكرر على مسامع المغبونين. أما الجوانب الثورية في الدين، أما جوانب التحرر والإبداع والتغيير، والعدل والعدالة والتصدي والشجاعة والجهاد في سبيل الحق وفي سبيل كرامة الإنسان، فيسدل عليها سنار كثيف من التعثيم. وهكذا يصبح كل ما هو عصري يساعد الإنسان على تحرير ذاته وامتلاك زمام مصيره بدعة، وكل توكيد على الحق والعدالة والكرامة ومارستها زندقة. ويتحول الدين إلى سلاح مسلط على المغبونين. وهذا أفعل سلاح لدفعهم إلى الاستسلام والإذعان لأنه يهدد أملهم الأخير في الخلاص والعزاء في ثواب الآخرة. خلاص وثواب يجعلان وحدهما حياة القهر ممكنة.

المجتمع التقليدي، بما يشيع فيه من عرف وما تتحكم في أفراده من عادات، وما يفرضه على عملية التفاعل الاجتماعي والتحرك السلوكي من جمود، يخدم إذا مصالح فئة ضئيلة هي التي تحظى بمعظم الامتيازات، وتستفيد من الحفاظ على الوضع القائم، ذلك أمر لا يحتاج إلى جهد كبير للتدليل عليه والبرهنة على صوابينه. فالشواهد اليومية في العالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت