المتخلف أكثر من أن تحصى، أبرزها ما يشيع في المجتمع القبلي والعشائري، فهنا نجد تلازمة بين أقصى انتشار للتقاليد وأشد سطوة لها وأكبر درجات القهر الاجتماعي، وأوضح مظاهر الرضوخ عند الغالبية المغبونة، يقابلها جميعا أبرز حالات التسلط عند القلة التي تتحكم بالقبيلة أو العشيرة وأكثرها حصولا على الامتيازات.
كيف يمكن إذا والحالة هذه أن يشكل التمسك بالتقليد أو الية دفاعية ضد القهر الذي يفرضه المجتمع التقليدي؟ قد يبدو في هذه المقولة شيء من التناقض المنطقي. إلا أن هذا التناقض يظل سطحية فقط. فمن الناحية العلمية لا بد من توازن في أي قانون يفرض على جماعة بين عنصر الضغط والقهر من ناحية، وعنصر تحقيق الحاجات بشكل ما، من ناحية ثانية، إن التقاليد والأعراف لو كانت قهرية محضة لما استقرت واستمرت، لأنها تتضمن في هذه الحالة التوازن الضروري بين عنصر الضبط، وعنصر تحقيق الحاجات، الذي لا إمكانية للاستمرار دونه، ما يشكل عنصر نهر لا بد أن يتضمن نقيضه المتمم له، وهو الدفاع ضد هذا القهر، دفاع ليس بالضرورة معاني (ينمي الشخصية) بل قد يكون مرضية لأنه يؤمن توازنة جامدة.
الأوجه الدفاعية للتمسك بالتقاليد عديدة ومتنوعة. أبرزها التحصن بتلك التقاليد المجابهة غزو متسلط خارجي. هذا المتسلط يشكل تهديدا کيانية لمن يغزوهم في هويتهم القومية وتراثهم وانتماءاتهم ونظرتهم إلى الوجود، إنه يحمل خطر الاندثار وفقدان الاعتبار الذاتي. فإذا عزت المقاومة المسلحة وانتفت إمكانية المجابهة المباشرة، لا بظل أمام الشعب المقهور سوى الاحتماء بالتراث والتمسك بالتقاليد، ضد الغزو الفكري والنفسي، ضد الغزو الحضاري. ويشتد التمسك بهذه التقاليد بمقدار وطأة الاستعمار الحضاري، ويستمر طالما عزت المقاومة المسلحة، وطالت فترة الاستعداد للتحرير. وخفت حدة التمسك بالتقاليد، ويزداد الانفتاح على عوامل التغيير والتحديث بمقدار الاطمئنان إلى القوة الذاتية، وبمقدار الشعور بالحماية وانخفاض حدة التهديد الخارجي. وقد يكون في تمسك التجمعات السكانية الريفية بالتقاليد، والتشدد فيها دفاعا عن كيانها ضد تسلط السلطة المركزية التي يسيطر عليها المستعمر، أو تسيطر عليها، على الأقل، عناصر غريبة وبعيدة في انتماءاتها وتوجهاتها عن تلك التجمعات الريفية، فهذه التجمعات تنكفئ على ذاتها وتغلق حدودها مع السلطة المركزية إلى أبعد الحدود الممكنة، مؤكدة على الافتراق الكلي الذي يؤمن لها شيئا من الحماية ضد خطر الذوبان. العلاقة عدائية وحذرة بين القرية المغلقة على ذاتها، والسلطة التي لا يصدر عنها سوى التهديد أو الاستغلال. القرية هنا تلعب دور الإنسان المقهور إزاء المتسلط.
أما على المستوى الفردي، فالوظائف الدفاعية للتمسك بالتقاليد متعددة. فهي أولا تؤمن نوعا من الاستقرار الحياتي، وباعتبارها كذلك، تعطي الإنسان شيئا من الطمأنينة