فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 248

اللوضع الراهن ذي الأبعاد المعروفة والتحديات المألوفة التي يمكن التكيف بحسبها، كما أنها تؤمن الحماية الذاتية، وهي تبعد عن الإنسان المقهور خطر مجابهة نلق المجهول، وقلق التغيير. فمن تمسك بالتقاليد لا ضير عليه ولا خطر يتهدده في الظروف العادية، هكذا يبدو الأمر على المستوى المعاش، كما أن المتسلط الذي يعزز وطأة التقاليد يؤمن للإنسان المقهور الحد الأدنى من الحماية عادة نظرا لحاجته إليه كأداة لخدمة أغراضه، وكعنصر لاستغلاله، ويبدو الأمر وكأنه جزء من طبيعة الحياة الحماية مقابل الرضوخ والتمسك بالتقاليد والاعتراف بسلطة المتسلط وامتيازاته).

والتمسك بالتقاليد بشكل أوالية دفاعية ضد قلق مجابهة المسؤولية الذاتية. فهي (التقاليد) بما يسبغ عليها من صفات القانون الطبيعي، تتضمن تبريرا للعجز الذاتي عند الإنسان المقهور. فإذا كان راضخة او فاش أو بائسة، وإذا كان عاجزة عن تحمل تبعة مصيره والنهوض للتحديات التي تطرحها عليه علاقة القهر وضرورة التحرر منها، فليس الذنب ذنبه، بل هو نظام الحياة الذي قسم له دوره وحدد له مكانته. التمسك بالتقاليد، يحمي الإنسان المقهور من مشاعر الخزي الذاتي، المرتبط بالمهانة التي تتصف بها مكانته الاجتماعية. التمسك بالتقاليد يحمي الإنسان المقهور من مجابهة ذاته، تلك المجابهة التي تقلقه كثيرة، من خلال أو الية الهروب نحو الخارج، الذوبان التقليدي والشائع، والانضواء تحت قانون العرف.

وتصل الوظيفة الدفاعية للتمسك بالتقاليد أوج فعاليتها بما تتضمنه من استلاب عقائدي بنعرض له الإنسان المقهور، فالتمسك بالتقاليد واحترام الأعراف ومراعاة العادات، يعاش كمصدر للاعتبار الذاتي، نظرا لما يتضمنه من قبول اجتماعي. إن الإنسان المقهور الذي لا شرف له يتخذ من تمثل التقاليد والأعراف مصدرة للشرف والاعتبار، يتخذ من قدرته على مراعاة المعايير السائدة مصدرة للكبرياء والرضا عن الذات. ويتناسب هذا الأمر عادة مع مقدار العجز الداخلي عن التصدي والمجابهة، ومقدار الخوف من التمرد والتغيير، ولذلك فليس من المستغرب أن تكون المرأة، وهي أكثر العناصر غبنا وقهرة في المجتمع المتخلف، أفصح معبر عن التقليد، وأشد العناصر تمسكة بالأعراف، وأكثرها إصرارا على ربط الشرف الذاتي بمعايير الشرف التقليدي، وتحقيق الذات من خلال التقيد المتشدد والمتزمت بالنماذج التي تفرضها الأعراف لدورها وهويتها ووظيفتها. وأكثر ما تتشدد فيه المرأة الأم هو فرض هذه المعايير وتلك النماذج على ابنتها، من خلال الحرب المزمنة والمنظمة التي تشنها على أي مظهر من مظاهر التمرد عند ابنتها. والمرأة الأم هي بذلك الناطقة الأكثر أمانة بصوت سيدها، والأداء الأكثر فعالية للحفاظ على امتيازاته. وهكذا يطمئن الإنسان المقهور إلى ذاته وإلى وضعه بالقدر الذي يتماهي به بالتقاليد ويتمكن من النجاح في تجسيد ما بخطه له من نماذج حياتية في سلوكه اليومي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت