والملاذ. ويحدث في هذه الحالة نوع من الانشطار العاطفي، بشكل يجعل المواقف قطعية. كل الشر والخطر والسوء، كل العقبات والموانع الذاتية والموضوعية، كل العدوانية الذاتية المقموعة والمتراكمة، تسقط على الخارج، مما يؤدي إلى تبخيسه تماما. وهكذا يتحول الخارج إلى مجرد أسطورة مخيفة يجب الحذر منها، وليس من موقف تجاهها إلا العنف والتدمير. وأما العواطف الإيجابية فتتوجه إلى الداخل، إلى النموذج الذي يجب أن يحتذى. كل واحد منهم يتحول إلى مرآة تعكس للآخرين ذواتهم الإيجابية. ويحدث هنا إفراط في إعطاء القيمة للجماعة الداخلية على حساب الإفراط في تبخيس الجماعات الخارجية. وتشتد الأواصر ضمن الجماعة المغلقة بقدر حاجتها لتجنب قلق الانفصال. إنها تشتد بقدر الحاجة لإنكار الصراعات والتناقضات الداخلية، وما يرافقها بالضرورة من مشاعر عدوانية. ويذهب الدفاع ضد هذه التناقضات حد الذوبان الكلي في الجماعة، لدرجة يفقد معها الفرد استقلاليته وهويته الذاتية، ولا يعود له من هوية سوى الهوية الجماعية، وتغلق الحدود النفسية بين الجماعة وغيرها من الجماعات. بقنصر التفاعل والتواصل على الحد الأدنى الضروري، أو يتوقف عند حدود الاضطهاد المتبادل. وبالطبع، بمقدار انغلاق الجماعة، ترتفع درجة النرجسية ضمنها وبين أفرادها، نظرة لأن كلا منهم يكون مرآة ذات الآخر، وبارتفاع النرجسية تتضخم قيمة الجماعة، حتى تصبح القيمة المطلقة أو الوحيدة، وتتضخم معها وبالدرجة نفسها قيمة الفرد. ويأخذ الأمر على هذا المستوى نوعا من الشعور بالامتلاء والاعتزاز بالانتماء، وحالة من الإحساس بالمتعة. وترتفع درجة الذوبان في الجماعة عادة على المستوى الفردي، بما يتناسب مع مستوى الإحساس بالضعف والعجز وانعدام القيمة، أكثر الأفراد ذوبان في الجماعة وتعصبا لها، هم في معظم الأحوال، أشدهم عجزة عن الاستقلال والوصول إلى مكانة فردية، وإلى قيمة ذاتية تنبع من شخصينهم. العلاقة الدمجية، أو الذوبانية داخل الجماعة المغلقة تتصف بالاتكال الشديد على رموز القوة في هذه الجماعة، وعلى عناصر السلطة المادية والنفسية فيها. هذه العناصر تضخم بدورها بشكل لاواقعي بمقدار الحاجة إلى الإحساس بالأمن والمحبة. كما أن هذه العلاقة نکوصية أساسية، بمعنى أن الفرد من هؤلاء يبحث، بشكل لاواع عن العودة إلى العلاقات الدمجبة بالأم، مصدر الحب والدفء والحنان والغذاء، ومصدر السلوى، وعامل إبعاد المنغصات الحياتية، الجماعة المغلقة، ذات الدلالة الإيجابية ومرجع تعريف الذات وتوكيدها، هي الأم بعينها، الأم المعطاء التي يجب أن تستقطب كل الولاء. ومن هنا التعصب المفرط التقاليد الجماعة ومعاييرها، وردود الفعل العنيفة ضد كل من يحاول خرتها من الداخل، أو الاعتداء عليها من الخارج، كما أوضحنا في الفقرات السابقة.
هذه الظاهرة تشيع كثيرة في المجتمعات المتخلفة، حيث نجد أينما حللنا جماعات متفاوتة في كبرها مغلفة على ذاتها، تشد أفرادها إليها بقوة لا تقاوم، وتقوم بينها وبين