الزمان، ومرارة الليالي والأيام. ويتنكر الإنسان المقهور لهذا الحاضر الذي يشكل مرآة تعكس له ماساته، أو هو يجتر هذا البؤس. ولكن الغالب هو التذبذب ما بين التنكر والاجترار. وهو يدافع عن نفسه إزاء كل ذلك بالهروب في الماضي المجيد ذاتية وقومية، فالماضي حصن من لا حاضر له، ولا مستقبل له.
هرب الإنسان المقهور في أمجاد الماضي، وينبه نشوان في مظاهر عظمة تاريخه وتراثه. وهو مختار من هذا الماضي الذي يشكل الخير كله، على عكس الحاضر الذي يشكل الشر كله، مقياسا للحياة: تلك كانت أيام، تلك كانت الحياة. وفي هذه الرجعة إلى الماضي بتمامي الإنسان المقهور خصوصأ بالبطولات العسكرية، بخوارق الفروسية، وبكل مظاهر الأبهة في تصور الخلفاء والأمراء، ويحدث تضخيم مبالغ فيه، أو هو دون حدود، لتلك البطولات والأمجاد، بقدر بؤس الحاضر. ولذلك فالغالب أن تصبغ على أمجاد الماضي صبغة تخريفية (1) تفاجية، 2 تلاحظ تحديدا في تصوير الفرسان الأبطال. فهؤلاء في القصص الشعبي أناس متفوقون ذوو جبروت لا يحد، وقدرات خارقة لا يصمد أمامها شيء، ولا تقف دون تحقيق مآربها عقبة. والواقع أن كل الرغبات الدفينة في القوة المطلقة، التي تشكل الضد الكامل للعجز الواقعي، تسقط على هؤلاء الأبطال. ويحدث نوع مما يسمى بالتماهي الإسقاطي (3)
تمثل صورة البطل ليس كما هو حقيقة، بل كما نرغبه أن يكون كاملا فائقة ذا جبروت) في علاقة الإنسان المقهور بأبطال القصص الشعبي.
البطل في القصص الشعبي أسطوري. فهو من الناحية الجسدية القوة المطلقة التي تأتي بالخوارق وتجابه كل التحديات. وهو في السلاح قمة الخبرة والفروسية. بصور على درجة كبيرة من الفخامة، فرسه نادرة وسلاحه لا يتمكن سواه من حمله والقتال به، وشجاعته تصمد أمام كل امتحان، وهو يخرج دائما منتصرة من أقسى امتحان. ويتحلى بطل القصص الشعبي بكل الفضائل النفسية والخلفية، ويتمتع بكل قيم الرجولة والشهامة والكرم. وهو إلى ذلك البطل القوي العادل الذي يتصدى لكل معتد، وكل ظالم، وكل عدو داخلي أو أجنبي، مدافعة عن جماعته وأهله المعرضين من دونه لأشد الأخطار الحياتية. إنه البطل المنقذ، مبعوث العناية الإلهية كي يرفع التهديد عن الإنسان الضعيف، إنه رمز العدل والأمن الوجودي.
استعراض حياة هذا البطل الأسطوري، كما يرويها رواة القصص الشعبي، هي دائمة سلسلة من الأزمات، وحلقات متصلة من الخطوب. لا يخرج من أزمة حتى يقع في التي تليها، ولا ينتصر على خطب حتى يقع في مأساة جديدة. حياته ملحمة دائمة من الثبات أمام
(1) تخريف Fabulation.
(2) نفاج Megalomanie
(3) التماهي الإسقاطي Identification projective.