فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 248

نفسه، يعود إلى الماضي الطفلي، أيام كان صغيرا يحظى بالحب والحنان والرعاية والرضى. وهو يعود إلى ذلك من خلال النكوص السلوكي إلى عادات سابقة (مص الأصابع، البوال، لعب دور الطفل المحتاج إلى العناية) ، والشيخ الهرم الذي لم يعد حاضرة ولم يبق له أمل في الغد، يهرب من واقعه المؤلم في الماضي، حيث يستعيد ذكريات الشباب وأمجاده. والفشل على كل صعيد حياتي بشكل بمس القيمة الذاتية والاعتبار الذاتي يدفع بصاحبه أحيائة، إذا أوصدت أمامه أبواب المستقبل، إلى الاحتماء بماضيه، وخصوصا بتلك الفترة الأكثر إشراقة فيه، وكلهم يجد في تلك العودة تعزية وملاذا. وكلهم يبعد عن نفسه تهديد انعدام القيمة بالاحتماء بالقيمة التي كان يتمتع بها ماضية. وكلهم يستبدل الصورة البائسة من الوجود الراهن، بأكثر الصور بجدة وإشراقة في الماضي، وذلك في الهروب الخيالي الذي لا يغير من الواقع المادي شيئا، ولكنه على الأقل بغير الدلالة الذاتية، ويغير الواقع النفسي، ويزداد التمسك بالماضي عادة والنكوص إليه بمقدار شدة الآلام المعنوية الحاضرة من ناحية، وإغراءات الماضي السعيد من ناحية ثانية.

في هذا النكوص تحدث عملية تزيين الماضي، من خلال طمس عثراته من جانب، والمبالغة في تضخيم حسناته من جانب آخر، وهكذا يتحول الماضي إلى عالم من السعادة والهناء، أو المجد والاعتبار، يلغى الزمن من خلال اختزال الديمومة إلى بعدها الماضي فقط، الحياة في الماضي وحده ولا شيء غيره. أما الحاضر فهو القدر الخائن الذي يجب ألا يقف الإنسان عنده، وأما المستقبل فلا يدخل في الحسبان. ولكن اختزال قيمة الإنسان والزمان إلى ما كان، إذا لم تكن عملية مرضية صريحة (الثبات على الماضي بمثابة إدارة الظهر للوجود) ، لا بد أن تتضمن في ثناياها أملا ما في القفز عن آلام الحاضر، ووصل المستقبل بأمجاد الماضي، أو استعادة هذه الأمجاد في مستقبل قريب أو بعبد. بذلك وحده يحتفظ الإنسان بقدرته على مجابهة الحاضر الذي يشكل تحديات لا قبل له بها، يستمر في العيش بحد أدنى من التوازن. في الحالات الناجحة، تكون العودة إلى الماضي وسيلة لاستنهاض الهمة، واستعادة شيء من الثقة بالنفس من خلال احتذاء مثال أمجاد الأسلاف، أو رفع الروح المعنوية بتذكر الإنجازات الذاتية. في هذه الحالة الأخيرة، بتمكن الإنسان من تحمل مرارة الفشل وفقدان الاعتبار الذاتي، من خلال تحجيم أزمات الحاضر، فهي مجرد كبوة وليست معيارة تقاس من خلاله الحياة جميعها، وبالتالي فالحاضر عابر، وكل ما هو عابر محتمل نفسية مهما كانت شدته.

تلك هي حال الإنسان المقهور. فإزاء عظم قوى القهر والتسلط من ناحية واعتباط الطبيعة من ناحية ثانية، وإزاء العجز عن المجابهة وانعدام القدرة على التغيير، يتعرض توازنه النفسي لهزات شديدة، واعتباره الذاتي للانهيار. ويبدو الحاضر مؤلما يحمل المرارة، والبؤس يجد صداه واضحة في الأغاني ذات الطابع السوداوي التي تشيع في مجتمعات القهر عن غدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت