فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 248

طبقت ونجحت في بلدان صناعية، ولكن مسيرة هذه الخطط لم تخط بعيدة، فلقد أخفقت التجارب المستوردة، والمشاريع الملصقة من الخارج، كما فشلت المشاريع ذات الطابع الدعائي الاستعراضي في تحريك بنية المجتمع ككل، وفي الارتقاء بإنسان ذلك المجتمع.

ذلك لأن إنسان هذه المجتمعات لم ينظر إليه باعتباره عنصرة أساسية ومحورية في أي خطة تنموية، التنمية، مهما كان ميدانها، تم تغير الإنسان ونظرته إلى الأمور في المقام الأول. لا بد إذا من وضع الأمور في إطارها البشري الصحيح، وأخذ خصائص الفئة السكانية التي يراد تطوير نمط حياتها بعين الاعتبار، ولا بد بالتالي من دراسة هذه الخصائص ومعرفة بنينها وديناميتها، وهو ما ندر الاهتمام به إلى الآن. فعلم النفس لم يحتل بعد مكانته المفروضة في هذا المضمار، ومع أنه يملك مفاتيح مهمة لمعرفة الإنسان، والقوى التي تحرکه داخلية وعقلانية، والمقاومات التي يظهرها إذا مس توازنه، وكل تنمية لا بد لها إذا كانت فعالة، من المساس بهذا التوازن لإحلال آخر أكثر تطورا ومرونة مكانه. لا بد من شمول النظرة من خلال الاهتمام بالبعد الذاتي والإنساني، إضافة إلى البعد الموضوعي الاجتماعي الاقتصادية، ومن خلال فهم العلاقة الجدلية بينهما، إذا أردنا السير على طريق بحالفها الحظ في إيصالنا إلى الهدف.

ومن هذا المنظور، تنبع أهمية محاولتنا لدراسة نفسية الإنسان المتخلف. فإذا توقفنا ونظرنا مليا، نجد أن ظواهر حياة هذا الإنسان التي تبدو مشتتة تذهب في كل اتجاه، وأن تصرفاته ونظرته ومواقفه واستجاباته التي يبدو عليها التفكك، هي في الحقيقة كل متماسك، له بنيته الخاصة ودينامينه المتطورة. فحياة الإنسان المتخلف تنتظم في وحدة قابلة للفهم جدلية، وحدة لها تاريخها ومسيرتها رغم ما يبدو عليها من سکون ظاهري، بسبغه تحکم التقليد وما يفرضه من جمود في المجتمع

يتلخص وجود الإنسان المتخلف، في نظرنا، في وضعية مأزقية، يحاول في سلوكه وتوجهاته وقيمه ومواقفه مجابهتها، ومحاولة السيطرة عليها بشكل يحفظ له بعض التوازن النفسي، الذي لا يمكن الاستمرار في العيش بدونه. هذه الوضعية المأزقية هي أساسة وضعية القهر الذي تفرضه عليه الطبيعة التي تفلت من سيطرته وتمارس عليه اعتباطها، والممسكون بزمام السلطة في مجتمعه الذين يفرضون عليه الرضوخ. ولذلك فإن سيكولوجية التخلف من الناحية الإنسانية تبدو لنا على أنها، أساسا، سيكولوجية الإنسان المقهور. تنبث علاقات القهر والتسلط من ناحية، ورد الفعل عليها من رضوخ أو تمرد من ناحية ثانية، في كل ثنايا وجود الإنسان المتخلف. تكوين الإنسان المتخلف النفسي، وتركيبه الذهني، وحباته اللاواعية، حكومة كلها بالاعتباط والقهر وما پولدانه من قلق جذري، وانعدام الشعور بالأمن والإحساس بالعجز أمام المصير، ولا يقف الإنسان المقهور مكتوف اليدين إزاء هذه الوضعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت