عسيرة الاحتمال، نظرا لكونها تزلزل التوازن الوجودي، بل يحاول أن يجابهها باساليب دفاعية جديدة، منعارضة جدلية أو متكاملة في تعارضها. تطغي في كل مرحلة من تاريخه نماذج سائدة منها، تتغير تبعا لتغير ظروفه. والكثير من معتقدات الإنسان المتخلف وانتماءاته وممارساته، تبدو في النهاية كمحاولات داعية للسيطرة على وضعيته المازقية وإيجاد حلول معينة الها. هذه الحلول تتخذ أشكالا فاترة أو نشطة، تشده إلى الوراء أو تدفع به إلى الأمام، تحميل به إلى الاستكانة والانسحاب، أو تدفعه إلى المجابهة والتصدي، ولكنها دوما تشكل نماذج من الاستجابات الممكنة، في ظروف تاريخية وعلائقية محددة لما يحيط بحياته من ضغوط.
التكوين النفسي والتكوين الذهني للإنسان المتخلف، بديناميته الخاصة، وحركته التاريخية، والأساليب المتنوعة التي يجابه بها مأزقه الوجودي، يشكلان نسمي هذا البحث. ففي القسم الأول ترسم الملامح النفسية الأساسية للإنسان المقهور. أما في القسم الثاني فنستعرض أهم الأساليب الدفاعية التي يجابه بها وضعيته في تفاعلها وتناقضها وتغيرها. ويتضح من هذين القسمين أن حياة الإنسان المتخلف وممارساته وتطلعاته، هي أبعد ما يكون عن العشوائية والتشتت اللذين يبدو أنهما يميز انها ظاهرية.
رغم أن الحديث يدور حول الإنسان المتخلف بشكل عام، إلا أن المادة مستقاة أساسا من واقع الإنسان اللبناني خاصة، والعربي عامة. بالطبع لا ينطبق كل ما سيقال على كل لبناني أو كل عربي، فهناك بالضرورة خصائص نوعية في كل حالة، تجعل سيادة نماذج معينة من التكوين النفسي ومن الأساليب الدفاعية أمر محتومة. إلا أن الخصوصية هذه لا تمنع محاولات النظر في إمكانية التعميم، انطلاقا من مقارنة مختلف وضعيات الإنسان المتخلف في مختلف البلدان خارج العالم العربي.
إن انفجار العنف في البنان»، والأشكال التي اتخذها، وما يحيط به من ظروف، وما تحرکه من قوي وعوامل، تعتبر في نظرنا فرصة كاشفة لما يعتمل في بنية المجتمع المتخلف من عنف، وما يصطرع فيها من مآزق وتناقضات، وهي بالتالي تبين لنا ما يتعرض له الإنسان في ذلك العالم من قهر واعتباط، وما يحل بقيمته الإنسانية من هدر. وإذا اتخذ العنف وما يدفعه من نهر وهدر لكيان الإنسان في الحالة الراهنة، طابعة صريحة صارخة وماساوية، فإنه هو نفسه، في رأينا، فاعل في بنى المجتمعات المتخلفة على تعذدها، ومحرك لها، ومحدد لأنماط العلاقات والاستجابات فيها، إنما بأشكال مفعة وغير مباشرة، وراء حالة من السكون الظاهري. ذلك هو، على الأقل، افتراضنا الأساسي الذي دفعنا إلى الحديث عن سيكولوجية الإنسان المقهور باعتباره التاج الرئيسي للتخلف الاجتماعي.
تقوم هذه المحاولة منهجية على الملاحظة والتحليل النفسي والاجتماعي للظواهر